الجداريات المكسيكية.. ظاهرة استثنائية
بقلم: سيد هويدى
خلقت الجداريات المكسيكية واقعا جديدا غير مسبوق لم يكن موجودا من قبل، سواء من الناحية التقنية أو الفنية والجمالية، والثقافية باعتبارها كتب مفتوحة للفن والمعرفة، لكن بلغة بصرية، للدرجة التى تجعل دافيد الفارو سيكويروس واحد من أربعة فنانين مكسيكيين كبار قادوا نهضتها الفنية فى القرن العشرين ظل يردد أن اللوحات المصورة على حامل لوحات ثانوية بالنسبة للصور الحائطية، فلوحة الحامل مجرد تجارب من أجل عمل اكبر،.. ففى الوقت الذى كانت تكرس فيه أوروبا لفن تشيد اللوحة وطرق بيعها وتسويقها، ظهرت فى أمريكا اللاتينية مدرسة لفن الجداريات، تجاوزت طموح الفن الحديث وهدفه فى أن تظل اللوحة حبيسة جدران بيوت الأثرياء، والمتاحف المغلقة، يراها عدد محدود، بينما كافح فنانى المكسيك الى أن تكون الجداريات كتب مفتوحة للناس فى الشوارع.
قرن الشعب
يقول الكاتب الكولومبى خرمان أرثينيجاس : يمكن تلخيص تاريخ قارتنا عبر القرون على الوجه الاتى: ” كان القرن السادس عشر قرن الغزاة، استطاع فيه الشعب الأسبانى بزعامة قواده إن يخضع قارة بأسراها تحت حكمه. وكان القرن 17 هو قرن أجدادنا، ولد فيه شعب جديد لينعم بهذه القارة. وكان القرن 18 هو قرن رواد الحرية والمبشرين بها. وكان القرن 19 هو قرن المحررين الذين فصلوا أمريكا عن أسبانيا وابرزوا قوة الجماهير الذين انضووا تحت لوائهم”.
والأهم الموائمة مع الذائقة التى يجب ان تتودد بها للناس، والانتقال من الملكية الخاصة التى تحكم التعامل مع اللوحة، إلى التواجد بين الناس وعلاقة ذلك بالملكية العامة، التى يشترك فيها الجميع حكومة وشعب.
ثمة أسباب تجعل من الجداريات المكسيكية موضوعا يفرض نفسه على بساط البحث، وهو أن الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى بيننا وبين بلدان أمريكا اللاتينية يكاد يتشابه فى مشتركات كثيرة.
أبطال النهضة
يقف وراء ريادة وتميز وشهرة الجداريات المكسيكية عزيمة وعناد فنانين كبار يرجع تكوين اغلبهم الفنى الى الثقافة الاروبية، فعلى الرغم من أن موضوع مناقشات الفنانين الشباب المكسيكيين المتحمسين أمثال سيكويروس وكارلوس، أوروزكو، رومير، أبطال النهضة الفنية المكسيكية فى النصف الأول فى القرن العشرين حول مشاكل الفن المكسيكى جرت على أرض فرنسية بعاصمة النور والجمال باريس، إلا أن الإعلان الثورى الذى أسفرت عنه مناقشات الفنانين الثوار طالب بضرورة استلهام فن الهنود البدائى أكثر من تبعيته للفن الأوروبى الذى وصفه الإعلان بأنه فن حضارة ميتة.
وإن كان الإعلان الثورى هو الشرارة التى أشعلت النيران التى لونت جدران المكسيك كلها ، إلا أن الحماس والرغبة فى التغير التقت مع عزيمة السلطة التنفيذية ممثلة فى جوزية فاسكو نسيلوس وزير التربية والتعليم التى أختط برنامجاً ثقافياً كان على الفن أن يلعب دوراً قيادياً فيه.
كما أن الإعلان كان إيذاناً بعودة الفنانين إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو، حيث عاد سيكويروس وأروزكو رومير وريفيرا من أوروبا، وجوزيه كليمنت أوروزكو من سان فرانسيسكو منفاه الإختيارى كما أتجه بعض الفنانين إلى المكسيك لأول مرة مثل كارولوس ميرويدا من جواتيمالا وجان شارلوا من باريس وأنضم أليهم كزافير جويريرو.
أخذت الثورة ضد الإقطاع عام 1910 منذ البداية زخماً ثقافياً دافعاً بفضل المثقفين، سواء بتبنى أفكار ومواقف ثورية، أو بالمشاركة فى القتال ضد الطغاة، وأن كان أبرز ما قدمه المثقفين للثورة هو إقناع قطاعات عريضة من الشعب فى المشاركة، لأحداث التغيير.
الرجوع الى الجذور
تامايو
تنتمى أصول “روفيو تامايو” الى السكان الأصليين، حيث ولد عام1899 فى أوكساكا بالمكسيك من أبوين من الهنود الحمر، والتحق فى شبابه بأكاديمية سان كارولوس للفنون الجميلة، أرتبط تامايو بفن القبائل المكسيكية القديمة، بحكم جذوره، ومنها المايا ولآزتيك والتروسكان والمكسيك، أيضا القبيلة التى ينحدر منها وهى الزابوتيك، وأن كان تامايو من أكثر أقرانه تمسكا بالجذور، إلا أنه لم يكن فى قطيعة مع الفن والمدارس الحديثة.
استطاع تامايو أن يحقق معادلة تجمع بين مضمون الفن المكسيكى البدائى ورؤية تكعيبية بألوان دافئة، وذلك فى جدارية مولد الوطنية بسراى الفنون الجميلة.
أما “دافيد الفارو سيكويروس” أبن مدينة (شيهواهوا)، حيث ولد عام 1898، ثلاث محاور أساسية تشكل شخصية سيكويروس الأول: معايشته لويلات الحروب، منذ أن التحق عازفا للطبل فى جيش التحرير المكسيكى وهو ما يفسر عظمته فى أقوى لوحاته(أصداء صرخة) والتى تجسد ما تفعله الحروب من تدمير للحضارات وقتل للأبرياء، بل تعد صرخة احتجاج ضد الحرب، أما المحور الثانى فى شخصية سيكويروس هو نزعته وحسه الاجتماعى، وأسلوبه الجديد فى التعبير عن المعانى الاجتماعية فى الفن، فيما يعد أهم ما يميزه نزعته الأبتكارية سواء بامتلاكه أسلوب الواقعية الديناميكية التى استطاع من خلالها الإيهام بالحركة من خلال تكرار أجزاء معينة من الأشكال التى يرسمها، فتبدو أنها تتحرك، أو بحثه المستمر عن خامات وأدوات ملائمة لاستخدامها، فقد أنتج لوحات بمادة البيروكسلين فى عام 1932، كما أنشأ معمل سيكويرس لتنمية الخامات الجديدة للتصوير.
الديمقراطية الجديدة واحدة من أشهر لوحات سيكويروس، نفذها عام 1945 وتنافس جدارية تامايو فى سراى كلية الفنون الجميلة بالعاصمة، ويشترك مع مايكل أنجلو عندما رسم جدارياته التى أنجزها بمكتبة اسكويلا مكسيكو بشيلى عام 1942 عندما رسم على الحائط والسقف معا.
ريفيرا
ولد “ديجو ريفيرا” عام 1886 فى جوانا جواتو بالمكسيك ودرس فى أكاديمية سان كارولوس بالعاصمة، فى العشرينات من عمره طاف ببلدان أوروبا كلها ألا انه أستقر فى باريس، بل وأنضم الى فنانى مونبرناس تحت لواء المدرسة الباريسية، وصادق موديليانى وبيكاسو وبراك.
على الرغم من أن ريفيرا عزم منذ وصوله المكسيك عائدا من أوروبا على اكتشاف فن القبائل المكسيكية القديمة، إلا أنه كان قد ظل عاما كاملا فى ايطاليا دارسا للوحات جيوتو الحائطية والفن البيزنطى، فى الوقت الذى أتخذ من المدرسة الباريسية موقف التحفظ.
طغت شخصية ريفيرا المحبة للحياة على فنه، فعندما انفعل بالروح الثورية التى اجتاحت بلاده، تخلى عن طريقته المحافظة المقتصرة على الملاحظة ومتابعة الأحداث دون المشاركة فيها وأصبح أكثر إيجابية ليساهم فى وجود مدرسة مكسيكية خالصة للتصوير، وإذا كان ريفيرا قد جاء عطائه فى مجال الجداريات، فقد كانت لوحات زوجته فريدا كاهلو علامة من علامات الفن فى أمريكا اللاتينية.
استطاع ريفيرا أن يصنع تماسا نادرا بين جدارياته والتاريخ المكسيكى وأحداث الثورة، كما امتلك قدرة على مخاطبة العامة و تلبية احتياجات الجماهير العاطفية فى أعماله، بأسلوب ينفرد به، فما زالت أعماله على جدران المبانى فى المدن الكبرى سواء فى أمريكا الشمالية أو اللاتينية شاهدة على ثورة فنية لا تقل عن ما قدمته أوروبا.
أوروزكو
حول الخيال الشعبى المكسيكى سيرة حياة اوروزكو الى أسطورة، ليشترك مع الثوار فى مصير واحد، خاصة وأنه عاش مراحل الثورة العنيفة والمضطربة، كما أن الخيال الشعبى أتخذ من فقد أوروزكو لذراعه سببا لخلق حكايات وأساطير، فقد ذهبت واحدة من هذه الحكايات الى أنه فقدها فى أحدى المعارك الثورية، فى حين تقول رواية أخرى أنه فقد ذراعه بينما كان يتبارى أنصار زباتا وأنصار فيلا فى إلقاء القنابل اليدوية،.
ينتمى جوزيه كليمنت أوروزكو (1883) إلى مدينة جوزمان بمقاطعة جاليسكو بالمكسيك، لكنه نشأ فى جوادا لاجار بعد أن رحلت إليها الأسرة مضطرة، ومع ذلك ظلت تلك المدينة مصدر إلهامه، حتى بعد انتقلت أسرته الى العاصمة مكسيكو، وفى طريقه اليومى الى مدرسته الأبتدائية كان الفنان الصغير يقترب من نوافذ مرسم المصور الكاريكاتيرى بوسادا ويمضى الساعات الطوال يراقبه من النافذة وهو يعمل.
المكسيك فى ثورة.. هى مجموعة اللوحات التى جسدت رؤية ومعايشة أوروزكو لأحداث الثورة العنيفة، التى استطاعت إسقاط حكم دياز الفاسد فى عام 1910 بعد حكم دام ثلاثين عاما، كما عكس فى تلك المجموعة انكسار الثورة بعد مقتل احد قادتها مادير نو عام 1913 على أيدى هويرتا، فتردت المكسيك فى حمام كبير من الدماء. هذه التجربة المريرة ظهرت بجلاء فى لوحات أوروزكو، وتجلت فى أعماله وجدارياته، وخاصة فى جدارية الضحايا، والإنسان الخلاق على جدران جامعة جوادا لاجارا، فى الفترة من 1936 الى 1939.
امتد تأثير حركة الجداريات المكسيكية الأسطورية الى بلدان عديدة، أو اتجاهات مماثلة، وأسهمت الى لفت أنظار شعوب كثيرة الى جماليات وتأثير الجداريات،ففى مصر مثلا التقى الفنان حامد عويس مع أسلوب الفنانين المكسيكيين فى اختياراتهم لكن بالرسم على القماش وليس على الجدران. جعلت أمريكا كعادتها، فى جذب المبدعين، تستقطب فنانى المكسيك لاستنساخ التجربة رغم علمها إن أصحابها ومنبتها ينتمى الى أيدلوجية مغايرة وعلى النقيض من الأفكار السياسية الأمريكية!!.
أسباب النجاح
أسباب عديدة كانت سبباً لأن تصبح مكانه جداريات الفنانين المكسيكيين الكبار واحدة من أهم أحداث وظواهر الفن فى القرن العشرين ومنها:
النزعة القوية إلى وجود فن قومى.
الرغبة الصادقة فى الخروج من تبعية أوروبا.
الوعى الثورى الذى دعا الى أن يكون للفن دوراً قيادياً فى المجتمع.
ربط الفن بجذوره الشعبية الأصلية.
التفاف المثقفين حول الأفكار الراغبة فى التغيير
النهضة الفنية جاءت انعكاسا للكفاح الوطنى الشعبى الذى ولد مع ثورة 1910، وثمرة الشعور بالحرية الفكرية والروحية، التى غمرت القطاعات الشعبية بدون استثناء فى مواجهة كبار الملاك الزراعيين الذين يتحكمون فى الفلاحين.
الاعتماد على عناصر أصيلة فى الثقافة المحلية.
مناهضة الطرق النمطية القديمة والجامدة فى تعليم الفنون والخروج خارج أسوار المراسم
اشتراك الفنانين مع القوى الشعبية الثائرة ضد الدكتاتوريات، خاصة بعد مقتل ماديرنو القائد الذى كان قد طرد الدكتاتور برويذر دياز، وتقلد السلطة عامى 1910،1911.
وعى أصحاب القرار من المسئولين بأهمية الفن للدرجة التى تجعل وزير التربية والتعليم جوزية فاسكونسيلوس يدشن برنامجا ثقافيا يقود فيه الفن التنمية.
عودة الفنانين من المهجر الى الوطن الأم بهدف المشاركة فى تفاعلات الحياة السياسية والنهضة الفنية.
وعى الفنان المكسيكى بدوره الاجتماعى والسياسى والطليعى.
وإن كان البعض يأخذ على الجداريات المكسيكية أنها خارج التصنيف الحداثى لمدارس الفن فى القرن العشرين، ربما لرفضها التبعية الأوربية، خاصة فى ظل أن بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى وقعت تحت تأثير المدرسة الباريسية، فيما انطلقت المدرسة المكسيكية بقوة بعد الإعلان الثورى للفنانين الكبار وبعد إن وضعت الحرب الأهلية أوزارها فى العام 1920 معتمدة على فن جماهيرى يتخلى عن ملكيته الخاصة للعامة فى الشوارع فى شكل جداريات، هذا التوجه القومى أضفى بعدا وطابعا تقدميا متميزا، بينما الفن الاروبى يكرس للملكية الفردية.
مع مطلع عام 1923 بدأت تظهر الطلائع الأولى لإنتاج مصورى المدرسة المكسيكية على حوائط المبانى العامة فى العاصمة مكسيكو.
