الفيض والجفاف بين فلسفة الحضور والانتقاء
بقلم باهر رجب

الفيض والجفاف في دستور العلاقات الإنسانية. ثمة قانون غير مكتوب يحكم تدفق مشاعرنا وانسياب أحاديثنا. وهو قانون “الملائمة”. فالمبتدأ والخبر في حكاية التواصل لا يكتملان إلا بوجود ذلك الصدى الذي يعيد إلينا صوتنا بنبرة أكثر ألفة. هنا، تتجلى مقولة “أفيض بكثافة مع من يشبهني، لكنني أتعمد الجفاف في كل مكان لا يلائمني” كمنهج حياة، لا كمجرد رد فعل عابر، بل كدرع يحمي جوهر الروح من التبديد.
الفيض والجفاف.. حينما تعثر الروح على مرآتها
الفيض ليس مجرد ثرثرة أو كلام مسترسل، بل هو حالة من “التعري الفكري و الوجداني” لا تحدث إلا في بيئة آمنة. عندما نلتقي بمن يشبهنا، تسقط الحواجز وتتلاشى الحاجة إلى شرح البديهيات. الشبه هنا لا يعني التطابق في الملامح أو الظروف، بل هو “وحدة التردد”. ذلك التناغم الخفي الذي يجعل الكلمة الواحدة تفتح آفاقا من المعاني المشتركة.
مع هؤلاء، نتحول إلى أنهار متدفقة، نسكب مخاوفنا، أحلامنا، وحتى سخافاتنا الصغيرة دون خوف من حكم أو سوء فهم. هذا الفيض هو عملية استشفاء، حيث يرمم الحوار ما هدمته العزلة، وتنمو الأفكار في مناخ من القبول المطلق. إنها اللحظة التي يشعر فيها المرء أنه “مرئي” حقا، وأن لغته الخاصة ليست طلسما، بل هي نشيد يفهمه الطرف الآخر ببراعة.
فن الحفاظ على المسافة
الفيض والجفاف على النقيض تماما، يبرز “الجفاف” كخيار واعي و استراتيجي في الأماكن التي لا تلائمنا. الجفاف هنا ليس لؤما ولا انطواء سلبيا، بل هو وسيلة دفاعية ضد الاستنزاف. ففي المجالس التي تسودها الضحالة، أو في العلاقات التي تفتقر للتقدير، يصبح الصمت والقصد في الكلام نوعا من “الكياسة النفسية”.
إن تعمد الجفاف في الأوساط غير الملائمة يعني رفض منح “أغلى ما نملك” لمن لا يدرك قيمته. إنه إدراك عميق بأن الكلام في غير موضعه ضياع، وأن المشاعر المسكوبة في وعاء مثقوب هي هدر للذات. حين يحيط بنا من لا يشبه تطلعاتنا أو يحترم عمقنا، نغلق النوافذ وننسحب إلى الداخل، محتفظين بفيضنا لمن يستحق، ومكتفين من المكان “بالحضور الشكلي” الذي يفرضه الواجب أو الظرف.

توازن القوى بين الفيض والجفاف
إن هذه الازدواجية بين الفيض والجفاف هي التي تصنع توازن الشخصية الناضجة. فالشخص الذي يفيض في كل مكان يفقد بريقه ويصبح مستباحا، والشخص الذي يجف في كل مكان ينتهي به الأمر إلى التحجر. السر يكمن في “القدرة على الاختيار”.
أن تختار متى تكون نهرا ومتى تكون صحراء، هو قمة الوعي بالذات. فالمكان الذي لا يلائمك هو مكان لا يستحق مخزونك العاطفي، و الرفقة التي لا تشبهك هي مجرد محطة عابرة لا يجب أن تستوطنها. هذا الانتقاء يحمينا من “الاغتراب وسط الحشود”، ويجعل لفيضنا قيمة استثنائية حين يجد أخيرا المرفأ الذي يستقبله.
خاتمة الروح
الفيض والجفاف في نهاية المطاف، نحن لسنا ملزمين بالانفتاح على عالم لا يفهم لغتنا، ولا مجبرين على تبرير صمتنا لمن يجهل قيمتنا. إن أصدق أشكال الوفاء للذات هو أن نكون كرماء جدا مع أشباهنا، وبخلاء جدا مع من يريدون استهلاكنا في معارك لا تخصنا أو حوارات لا تشبهنا. فليكن فيضنا لمن يزرع فينا بذرة، وليكن جفافنا سياجا يحمي ما تبقى من أحلامنا.

