«الكراسى» لهنادة الصباغ… حين يتحول الصمت إلى محاكمة قاسية للطموح الإنسان
تقرير_ أمجد زاهر
عرض صامت يهز الأسئلة الكبرى على خشبة «متروبول»
في اليوم الثاني من فعاليات الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى – الدورة الخامسة بالقاهرة، التابع للهيئة العربية للمسرح، شهد مسرح «متروبول» عرضًا استثنائيًا حمل عنوان «الكراسي»، قدّمته ناشئة الشارقة برؤية إخراجية للفنانة هنادة الصباغ.
عرضٌ لا يكتفي باستعادة نص عبثي عالمي للكاتب الروماني الفرنسي يوجين يونسكو، بل يعيد تفكيكه وإعادة تركيبه داخل تجربة مسرحية صامتة، تعتمد كليًا على الصورة، والحركة، والرمز.
منذ اللحظة الأولى، يضع العرض المتلقي أمام تجربة مختلفة؛ فلا كلمات تُقال، ولا حوار يُنطق، لكن المعنى حاضر بقوة، والرسالة أكثر حدّة ووضوحًا مما لو نُطقت ألف جملة.
من عبث الكلمة إلى بلاغة الصمت
الرهان الأكبر في رؤية هنادة الصباغ كان الانتقال بنص «الكراسي» من عبث لغوي قائم على الثرثرة والتكرار، إلى عبث بصري سيميائي قائم على الحركة والإيماءة.
هذا التحول الدراماتورجي لم يكن مجرد حذف للكلام، بل إعادة بناء كاملة للعرض بوصفه خطابًا حسيًا.
الصمت هنا ليس غيابًا، بل لغة قائمة بذاتها؛ لغة تفضح الفراغ الداخلي للإنسان المعاصر، وتركض معه في سباقه نحو الوهم: وهم المنصب، والسلطة، والاعتراف الاجتماعي.
الكرسي… أيقونة السلطة وهشاشة الاستقرار
لم يعد «الكرسي» في هذا العرض مجرد قطعة أثاث أو مكان للجلوس، بل تحوّل إلى رمز مركزي تتفرع منه كل الدلالات.
الكراسي تتكاثر، تزاحم الخشبة، تملؤها حتى الاختناق، في صورة بصرية تعكس ازدحام الطموحات، وتكالب البشر على مواقع لا تدوم.
يقدّم العرض مفارقة ذكية: الكرسي يوحي بالثبات، بينما يكشف الصراع عليه عن هشاشة الوجود الإنساني نفسه.
كل دمية تسعى إلى الجلوس، لكن لا أحد يستقر، وكأن الكرسي هو الذي يختار ضحيته، لا العكس.
العرائس… ملامح مشوهة لأرواح لاهثة
تميّز العرض بتصميم عرائسي شديد التعبير؛ دمى لا تهدف إلى الإمتاع البصري، بل إلى كشف التشوهات الداخلية للنفس البشرية. وجوه جامدة، أجساد محدودة الحركة، لكنها محمّلة بدلالات القهر، والغرور، والخوف.
أداء محركي العرائس من ناشئة الشارقة جاء لافتًا؛ إذ نجحوا في بث طاقة إنسانية عالية داخل كيانات صامتة، وخلقوا حالة من التماهي بين المحرّك والدمية، تطرح سؤالًا وجوديًا مقلقًا: من يقود من؟ الإنسان أم الرغبة؟
السينوغرافيا… حين تتكلم الإضاءة والموسيقى
لعبت عناصر السينوغرافيا دور البطولة الثانية بعد العرائس.
الإضاءة جاءت دقيقة وحادة، ترسم مساحات الوهم والحقيقة، وتُضخم الظلال لتعكس الصراع النفسي الداخلي.
أما الموسيقى والمؤثرات الصوتية، فكانت بمثابة الحوار الغائب، تعبّر عن الطموح، القلق، الغرور، والانكسار.
تجربة ناضجة لناشئة الشارقة
يُحسب للعرض جرأة اختيار مسرح صامت فكري، وهو رهان صعب حتى على المحترفين، فكيف إذا كان التحدي بيد فئة ناشئة؟
إلا أن الأداء كشف عن وعي فني ونضج ملحوظ، وقدرة على التعامل مع المسرح .
خلاصة نقدية
عرض «الكراسي» برؤية هنادة الصباغ هو تجربة جديدة واعدة للمسرح البصري والفكري، وتجربة تثبت أن مسرح العرائس العربي قادر على مقاربة الأسئلة الفلسفية الكبرى بلغة معاصرة وعميقة.
لقد تحولت خشبة «متروبول» في تلك الليلة إلى مرآة قاسية لواقع إنساني يلهث خلف «مقعد»، بينما ينسى أن الكراسي، في النهاية، تبقى… والإنسان يرحل.

