بريجيت باردو… نهاية أسطورة سينمائية صنعت الجمال وأربكت العالم

0

بريجيت باردو… نهاية أسطورة سينمائية صنعت الجمال وأربكت العالم

بقلم _ طه المكاوي 

برحيل بريجيت باردو في 28 ديسمبر 2025، تُسدل السينما الفرنسية ستارها على واحدة من أكثر أيقوناتها تأثيرًا وإثارة للجدل. امرأة لم تكن مجرد ممثلة لامعة، بل ظاهرة ثقافية أعادت تعريف الجمال الأنثوي، وخلخلت صورة النجمة التقليدية، ودفعت بالسينما الأوروبية إلى مناطق جديدة من الجرأة والتمرد.

رحلت باردو عن عمر ناهز 91 عامًا داخل منزلها في سان تروبيه، المدينة التي اختارتها ملاذًا أخيرًا، بعد صراع طويل مع مرض السرطان، تاركة خلفها إرثًا فنيًا معقدًا يتقاطع فيه الإبداع مع الجدل، والأسطورة مع التناقض.

أيقونة ولدت من عدسة السينما

ظهرت باردو في خمسينيات القرن الماضي كوجه مختلف تمامًا عما اعتاده الجمهور الأوروبي. لم تكن البطلة الكلاسيكية، ولا الفاتنة المتصنعة، بل جسدت نموذج المرأة الحرة، الجامحة، التي لا تخجل من جسدها ولا من رغباتها. ومع فيلم «وخلق الله المرأة» (1956)، تحولت إلى رمز عالمي للأنوثة المتحررة، واسمٍ يوازي شهرة هوليوود في زمن كانت فيه باريس تنافس لوس أنجلوس على قيادة الخيال السينمائي.

قدمت باردو أدوارًا اتسمت بالعفوية والتمرد، وشاركت كبار المخرجين، مثل جان لوك غودار في فيلم «الازدراء»، حيث مزجت بين الجسد كعلامة جمالية، والمرأة ككائن فلسفي متأرجح بين الرغبة والاغتراب.

اعتزال مبكر… وقطيعة مع الأضواء

في أوائل السبعينيات، وفي خطوة أربكت جمهورها وصناع السينما على حد سواء، قررت باردو اعتزال التمثيل وهي في ذروة شهرتها. لم يكن القرار انسحابًا هادئًا، بل قطيعة كاملة مع عالم الأضواء، اختارت بعدها حياة أكثر عزلة، مكرسة وقتها للدفاع عن حقوق الحيوانات، لتؤسس واحدة من أبرز المؤسسات الأوروبية المعنية بحمايتها.

هذا التحول الجذري من نجمة جماهيرية إلى ناشطة شرسة، أكد أن باردو لم تكن يومًا أسيرة لصورتها السينمائية، بل شخصية عنيدة تمضي في قناعاتها حتى النهاية.

الجدل… الوجه الآخر للأسطورة

لكن مسيرة باردو لم تكن ناصعة بالكامل. فقد ارتبط اسمها في العقود الأخيرة بآرائها السياسية اليمينية المتطرفة، وتصريحاتها المناهضة للهجرة، التي قادتها إلى الإدانة خمس مرات بتهم تتعلق بخطاب الكراهية. مواقف جعلت من إرثها موضع انقسام دائم: فنانة عظيمة في نظر البعض، وشخصية إشكالية في نظر آخرين.

وربما يعكس هذا التناقض جوهر باردو نفسها؛ امرأة رفضت التوافق، وفضلت الصدام، سواء على الشاشة أو خارجها.

وداع على طريقتها

جاءت جنازتها، التي أُقيمت في كنيسة نوتردام دو لاسومبسيون بسان تروبيه، بسيطة ومجردة، بلا مظاهر رسمية أو احتفالات وطنية، بعد رفض زوجها برنارد دورمال عرض الحكومة الفرنسية تنظيم تأبين رسمي. وداع يشبه صاحبة الرحيل: حادًا، مستقلًا، ومخلصًا لاختياراته.

حتى كلماتها الأخيرة، التي رواها زوجها بروح تمزج الطرافة بالمرارة، بدت وكأنها مشهد أخير من فيلم لم تكتبه السينما، بل كتبته الحياة نفسها.

إرث لا يُغلق بوفاة

برحيل بريجيت باردو، لا تنتهي الحكاية، بل تبدأ قراءة جديدة لإرث سينمائي وثقافي لا يمكن اختزاله في صورة واحدة. فهي نجمة صنعت ثورة في مفهوم الأنوثة على الشاشة، وامرأة عاشت خارج القوالب، وتركت خلفها أسئلة مفتوحة حول الفن، الحرية، والمسؤولية الأخلاقية للنجم.

أسطورة رحلت، لكنها ستظل حاضرة، لا كصورة معلقة على جدار السينما، بل كجدل دائم لا يعرف النهاية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.