بقلم : هاني سليم
في عالمٍ يضج بالكلام، يصبح الصمت أكثر الأصوات صدقًا. ليس لأنه أهدأ، بل لأنه محمّل بما لا يُحتمل. الصمت ليس غياب الحكاية، بل ازدحامها. هو المساحة التي تتكدس فيها الآلام حين يفشل الكلام في أن يكون منقذًا، وحين يتحول البوح من راحة إلى عبء.
هناك بشر يعيشون بيننا بصمتٍ ثقيل، لا لأنهم لا يشعرون، بل لأنهم شعروا أكثر مما ينبغي. جرّبوا الكلام مرة، فخُذلوا. قالوا ما في قلوبهم، فقوبلوا بالاستخفاف أو الاتهام أو التجاهل. تعلّموا الدرس مبكرًا: الصمت أقل كلفة.
الصامتون ليسوا ضعفاء، بل مرهقون. مرهقون من الشرح، من الدفاع عن مشاعرهم، من تبرير حزنهم. صمت الأم التي تُربي وتحتوي وتنهار في الخفاء، وصمت الأب الذي يُتقن دور السند بينما لا يسنده أحد، وصمت الشاب الذي يُطالبونه بالأحلام في واقعٍ لا يرحم، ثم يلومونه حين يتعب.
الصمت في كثير من الأحيان ليس اختيارًا، بل رد فعل. رد فعل على عالم لا يسمع إلا الضجيج، ولا يعترف إلا بمن يصرخ. في زمن «التريند»، من يتألم بهدوء يُقصى، ومن يوجع دون استعراض يُنسى. أصبح الألم إن لم يُصوَّر، كأنه لم يحدث.
والمجتمع شريك في هذا الصمت. حين نسخر من الاعتراف، وحين نُقابل الوجع بالنصائح الجاهزة، وحين نحاكم المتألم بدل أن نحتويه، فنحن ندفعه خطوة إضافية نحو الصمت. ليس كل من سكت بخير، وليس كل من قال «أنا تمام» صادقًا.
الأخطر أن الصمت حين يطول، يتحول إلى تآكل داخلي. يبدأ الإنسان في الشك في ألمه، في التقليل من معاناته، في جلد ذاته لأنه يشعر أكثر من اللازم. هنا لا يعود الصمت حكمة، بل يصبح اختناقًا بطيئًا، وانهيارًا مؤجلاً.
لكن حين يتكلم الصمت، فهو لا يطلب شفقة، بل أمانًا. لا يريد حلولًا سريعة، بل إنصاتًا حقيقيًا. يريد شخصًا لا يُقاطع، لا يُزايد، لا يُحوّل الاعتراف إلى مادة للفضول أو الحُكم. يريد فقط أن يُصدَّق.
نحن لا نحتاج أن نكون معالجين نفسيين، ولا أبطال إنقاذ. نحتاج فقط أن نكون بشرًا. أن نسأل بصدق، أن نلاحظ التغير، أن نفهم أن الصمت أحيانًا نداء استغاثة بلا صوت. كلمة واحدة صادقة قد تمنع سقوطًا، واحتواء بسيط قد يعيد إنسانًا من حافة الانكسار.
حين يتكلم الصمت، فهو يحكي عن عالمٍ قاسٍ، وعن قلوبٍ تعبت، وعن بشرٍ لم يجدوا من يسمعهم. والسؤال الحقيقي ليس: لماذا صمتوا؟
بل: لماذا لم نكن نحن آذانًا تستحق أن يُقال لها الكلام؟



