كتبت ريهام طارق
ودعت السينما المصرية، اليوم السبت، الموافق 27/12/2025 أحد أبرز رموزها الكبار، برحيل المخرج الكبير داود عبد السيد عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد مسيرة فنية استثنائية امتدت لعقود، ترك خلالها أثرًا عميقًا في الوجدان الثقافي والسينمائي، وجعلته واحدًا من أهم صنّاع السينما الواقعية والفلسفية في مصر والعالم العربي.
يُعد داود عبد السيد من القلائل الذين تعاملوا مع السينما بوصفها فعلًا فكريًا وإنسانيًا، لا مجرد وسيلة للترفيه، حتى لُقّب في الأوساط النقدية والثقافية بـ”فيلسوف السينما المصرية”، فقد قدّم عبر أعماله رؤية سينمائية متفرّدة، طرحت أسئلة شائكة، وفتحت نوافذ جديدة على الواقع المصري، بلغة بصرية خاصة ووعي فلسفي.
وُلد الراحل داود عبد السيد في القاهرة عام 1946، و تخرّج في قسم الإخراج بالمعهد العالي للسينما، وبدأ مشواره الفني في أواخر ستينيات القرن الماضي مساعدًا للمخرج العالمي الراحل يوسف شاهين، قبل أن يخط اسمه كمخرج مستقل مع أول أفلامه الروائية الطويلة «الصعاليك» عام 1985، معلنًا عن ميلاد صوت سينمائي مختلف.
ترك المخرج داود عبد السيد بصمة خالدة في تاريخ السينما المصرية من خلال أعمال أصبحت علامات فارقة، من أبرزها «أرض الخوف» بطولة النجم الراحل أحمد زكي، والذي يُعد من أهم أفلام السينما العربية، و«الكيت كات» أحد أشهر أفلام الفنان الراحل محمود عبد العزيز، إلى جانب أفلام أخرى مثل «البحث عن سيد مرزوق»، «مواطن ومخبر وحرامي»، و«رسائل البحر».
وحصدت أفلامه العديد من الجوائز من مهرجانات سينمائية عربية ودولية، من بينها مهرجانات القاهرة ودمشق وسورينتو بإيطاليا، كما ترشّح فيلمه «رسائل البحر» للقائمة القصيرة لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 2010، في إنجاز عكس المكانة العالمية لتجربته الفنية.
وكان آخر أعماله السينمائية فيلم «قدرات غير عادية» عام 2015، قبل أن يعلن اعتزاله الإخراج عام 2022، مؤكدًا في مداخلة تلفزيونية آنذاك: «لا أستطيع التعامل مع الجمهور الموجود حاليًا… لأنه يبحث عن التسلية»، في تصريح عكس صدقه الفني ورفضه الدائم للتنازل عن رؤيته الإبداعية.
نعت عائلة الراحل داود عبد السيد فقيدها بكلمات مؤثرة، حيث كتبت زوجته، الإعلامية كريمة كمال، عبر حسابها على موقع فيسبوك:
«رحل اليوم أغلى ما عندي… زوجي وحبيبي».
كما نعت الهيئة الوطنية للإعلام المخرج الراحل في بيان رسمي، ووصفت رحيله بأنه “خسارة كبرى للقوة الناعمة المصرية”، مؤكدة أن أعماله ستظل شاهدًا حيًا على فنه، ودوره، ورسالة السينما التي آمن بها.
برحيل داود عبد السيد، فقدت السينما المصرية مخرجًا استثنائيًا صنع تاريخًا مختلفًا للسينما… ترك ارثا عظيم سيبقى حاضرا، مهما غاب الجسد.
بقلم : ريهام طارق



