«ذات والرداء الأحمر»
حين تنتقل الحكاية الخرافية إلى غابة السوشيال ميديا
قراءة نقدية _ أمجد زاهر
عرض عرائسي معاصر يفتح ملف الطفولة الرقمية
ضمن فعاليات الدورة الخامسة من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة، احتضن مسرح القاهرة للعرائس مساء أمس العرض المسرحي «ذات والرداء الأحمر»، إنتاج البيت الفني للمسرح، تأليف وليد كمال، وإخراج نادية الشويخ، في تجربة مسرحية تجمع بين المتعة البصرية والطرح التربوي، وتعيد قراءة واحدة من أشهر الحكايات العالمية بعيون معاصرة تواكب زمن الطفل الرقمي.
العرض لا يكتفي باستدعاء حكاية «ليلى والذئب» بوصفها مادة تراثية مألوفة، بل ينطلق منها ليطرح سؤالًا ملحًا: من هو الذئب اليوم؟ وأين تكمن الغابة؟ ليأتي الجواب صادمًا وذكيًا في آن واحد: الغابة لم تعد أشجارًا وطرقات موحشة، بل شاشات وهواتف ومنصات تواصل اجتماعي.
النص: إعادة كتابة الحكاية بلغة العصر
نجح الكاتب وليد كمال في تقديم نص مسرحي واعٍ بتحولات الزمن، حيث أعاد «تبيئة» الحكاية الخرافية داخل واقع معاصر يعيشه الأطفال يوميًا. البطلة هنا ليست فتاة ساذجة تضل طريقها في الغابة، بل طفلة من جيل «الآيباد» و«التيك توك»، تحلم بالشهرة والانتشار، وتبحث عن التميز عبر عدد المتابعين.
تحول «الذئب» في النص من كائن مفترس إلى رمز للغرباء الافتراضيين، المتخفين خلف الشاشات، والمتربصين ببراءة الأطفال.
هذا التحول يمنح العرض شرعية فكرية، ويؤكد أن مسرح العرائس لا يزال قادرًا على أداء دوره التربوي والتنويري دون الوقوع في فخ الوعظ المباشر.
الإخراج والسينوغرافيا: صراع بصري بين الأمان والخطر
قدّمت المخرجة نادية الشويخ رؤية إخراجية واعية بطبيعة جمهور الطفل، ذلك الجمهور «الصعب» الذي لا يمنح انتباهه بسهولة. فاعتمدت على إيقاع سريع، وانتقالات بصرية سلسة، مع توظيف ذكي للتكنولوجيا داخل فضاء مسرح العرائس.
الديكور رسم عالمين متقابلين:
- عالم البيت الدافئ، الذي ترمز إليه الألوان المضيئة والإضاءة الهادئة.
- عالم الغابة الرقمية، حيث الشاشات، والإضاءة الباردة، والظلال التي توحي بالخطر والتربص.
إقحام الشاشات والعرض البصري داخل بنية العرض لم يكن استعراضًا تقنيًا، بل جاء في خدمة الفكرة، ليجعل الطفل يرى عالمه اليومي منعكسًا على خشبة المسرح.
فن العرائس: حين يصبح الجماد كائنًا حيًا
يواصل مسرح القاهرة للعرائس تأكيد ريادته في هذا المجال، حيث جاءت العرائس مصممة بعناية تعكس روح العصر دون التخلي عن سحرها التقليدي.
عروسة «ذات» بملامحها المصرية وردائها الأحمر تمثل جسرًا بصريًا بين التراث والحداثة.
التحريك جاء دقيقًا ومتناغمًا مع الأداء الصوتي، في انسجام واضح بين حركة الفم والأطراف ونبرة الصوت، ما منح الشخصيات مصداقية وحضورًا حيًا على الخشبة.
الموسيقى والرسالة: متعة بلا تلقين
الموسيقى، التي لحنها هاني شنودة، جاءت عنصرًا محركًا للمشاعر، داعمة للصراع الدرامي دون مبالغة. الأغنيات كُتبت بلغة بسيطة، لكنها غير مسطحة، لتصل الرسالة للطفل بسلاسة، وتترك أثرها دون خطاب مباشر أو نصائح مملة.
عرض عائلي بامتياز
يحقق عرض «ذات والرداء الأحمر» معادلة «المسرح العائلي»، إذ يخاطب الطفل بلغة اللون والحركة والعروسة، ويوجه رسالة واضحة لولي الأمر حول خطورة العالم الرقمي غير المراقب.
وهو بذلك يثبت أن مسرح العرائس ليس فنًا للحنين، بل أداة معاصرة قادرة على طرح قضايا الحاضر، وصناعة وعي المستقبل، بابتسامة ودهشة وحكاية جديدة.

