ربّك ربّ قلوب
بقلم: رفيق رسمي
في كل الديانات، وفي كل الأزمنة، وفي كل الحضارات، ظلّ القلب هو مركز العلاقة بين الإنسان وربّه.
في الإسلام: «إن الله ينظر إلى قلوبكم».
وفي المسيحية: «يا ابني، أعطني قلبك».
وفي التجربتين معًا تظهر الحقيقة الكبرى: الله لا يحاسبك على ما فُرض عليك، بل على ما خرج منك.
العقل ليس ملكك وحدك.
العقل ابن الوراثة، وابن البيئة، وابن التربية، وابن الإعلام، وابن الزمن الذي وُلدت فيه.
لو وُلدت في الهند قبل قرنين لكنت هندوسيًا. ومحتوي عقلك مختلفةعنه لو ولدت قبل ٢٠ قرن مضت قبل الميلاد أو ولدت في القرن ٢١
ولو وُلدت في الصين القديمة لكنت بوذيًا.
ولو وُلدت في بيت يعبد الواق الواق لآمنت بما آمنوا به.
المعرفة التي في رأسك ليست اختيارك، بل نتيجة عوامل كثيره جدا لا يد لك فيها.
حتى علم النفس يقول إن المعرفة لا تتحول إلى سلوك تلقائيًا.
المعرفة في العقل غرفة، والسلوك غرفة ثانيه أخرى مختلفه تماما .
ولكي تنتقل المعلومة من الأولى إلى الثانية تحتاج إلى بيئة، وتجارب، وقدرة، وصحة نفسية، وظروف اقتصادية، ونموذج يُحتذى.
لذلك ترى من يعرف الحق ولا يفعله، ومن يفعل الحق دون أن يعرفه لانه نشأ بالتربيه والبيئه والمجتمع عليه يربونه عليه .
فكيف يُحاسب الله البشر على عقول لم يختاروا كل مافيها .
كيف يُحاسبهم على ثقافات فُرضت عليهم؟
كيف يُحاسبهم على دين وُلدوا فيه؟
كيف يُحاسبهم على ظروف صنعتها السياسة والاقتصاد والمجتمع والزمن؟
العدل الإلهي لا يقوم على العقل… بل على القلب. ليس علي محتوي العقل من معلومات . بل علي مايصدر من السلوك نتيجه مافي القلب . فقد تجد علماء لاهوت. وعلماء قمه في الفقه الديني وسلوكهم سىء وبسطاء جدا غايه في السمو الخلفي .
القلب هو الشيء الوحيد الذي يبقى منك أنت.
هو مركز النية، والرحمة، والصدق، والمحبة، والضمير.
هو الجزء الذي لا تصنعه الوراثة ولا البيئة، بل تصنعه اختياراتك.
ومع ذلك، ليست القلوب كلها مثل بعض .
هناك قلب من زجاج ينكسر سريعًا.
وقلب من صفيح يتشوّه لكنه يبقى حيًا.
وقلب من فولاذ لا يتأثر بل يؤثر.
والله يحاسب كل قلب بحسب طاقته، لا بحسب ظروفه.
لهذا كان الخلاص في القلب.
ليس لأن القلب كامل، بل لأنه الجزء الوحيد القابل للإصلاح.
ولهذا قال يسوع: «أعطني قلبك»،
وقال القرآن: «إلا من أتى الله بقلب سليم».
الله لا يترك القلب كما هو.
بل يمرّره عبر تجارب، وصدمات، وألم، وفقد، ونجاح، وفشل.
هذه ليست عقوبات، بل دورات تدريبية روحية لإعادة تشكيل القلب، لتنظيفه من تشوهات التربية، وجروح الطفولة، وضغط المجتمع، وسموم العصر.
كما أعدّ الله الأنبياء والرسل والشهداء والقادة عبر تجارب قاسية،
هكذا يُعدّ كل إنسان لدوره في الدنيا…
ولمسؤوليته ما في الحياه الآخري .بعد هذه الحياه .
الخلاصة:
الله لا يحاسبك على عقل صُنع لك، بل على قلب تصنعه أنت.
لا يحاسبك على دين وُلدت فيه، بل على نيتك.
لا يحاسبك على ثقافة فُرضت عليك، بل على رحمتك.
لا يحاسبك على ظروفك، بل على إنسانيتك.
ربّك ربّ قلوب…
ولذلك كان العدل كاملًا، والرحمة أوسع من الكون.

