«سجن النسا» على مسرح السلام.. حين يتحوّل القيد إلى سؤال والحرية إلى معركة وعي
✍️ بقلم: طه المكاوي
ليس السجن دائمًا جدرانًا وأسلاكًا شائكة، ولا تكون الزنزانة بالضرورة أربعة حوائط وبابًا حديديًا. أحيانًا، يكون السجن فكرة، أو خوفًا موروثًا، أو صمتًا طويلًا اعتدناه حتى صار جزءًا من تكويننا.
من هذه الزاوية تحديدًا، يفتح عرض «سجن النسا» على مسرح السلام بوابته،
لا ليحكي عن نساء خلف القضبان فقط، بل عن مجتمع كامل يعيش في زنزانة أوسع، وأشد قسوة، وأطول عمرًا.
قراءة معاصرة لنص كلاسيكي
ينطلق العرض من نص الكاتبة الكبيرة فتحية العسال، أحد أهم النصوص المسرحية التي اشتبكت مبكرًا مع قضايا المرأة والعدالة الاجتماعية. لكن الرهان الحقيقي هنا لا يكمن في استدعاء النص، بل في كيفية إعادة قراءته.
المخرج يوسف مراد منير لا يقدّم «سجن النسا» بوصفه عملًا توثيقيًا أو صرخة نسوية مباشرة، بل يعيد تفكيكه ضمن رؤية معاصرة، تحرّر النص من زمنه دون أن تنتزع روحه. هكذا يتحول السجن من مكان إلى مفهوم، ومن عقوبة قانونية إلى حصار اجتماعي ونفسي وثقافي.
البطولة الجماعية.. كسر وهم «النجمة الواحدة»
تقدّم فرقة المسرح الحديث عرض «سجن النسا»، عن نص الكاتبة الكبيرة فتحية العسال، في معالجة مسرحية تحمل عمقًا إنسانيًا ورؤية اجتماعية جريئة، ومن إخراج يوسف مراد منير.
ويشارك في بطولة العرض نخبة من الفنانات، تتقدمهن النجمة صفاء جلال، إلى جانب كل من: رباب طارق، شريهان الشاذلي، آية أبو زيد، عبير الطوخي، صافي فهمي، شريهان قطب، ليلى مراد، إيريني مجدي، ساندرا مُلقي، زينة قُطري، ولاء الجندي، إكرامي وزيري، بينما تتولى الفنانة هبة سليمان البطولة الغنائية، مضيفة بُعدًا وجدانيًا وموسيقيًا يعزّز الحالة الدرامية للعرض
ويعتمد «سجن النسا» على أداء جماعي متماسك، يُبرز تعدد الأصوات النسائية داخل فضاء مسرحي واحد، ليقدّم تجربة مسرحية تمزج بين القسوة الإنسانية والشاعرية الفنية، في مواجهة مباشرة مع قضايا المرأة والمجتمع.
يحسب للعرض اعتماده على البطولة النسائية الجماعية، حيث لا تتقدم شخصية لتبتلع غيرها، بل تتجاور الحكايات، وتتقاطع المصائر، وتتعدد زوايا الرؤية.كل امرأة داخل السجن تحمل «حدوتتها» الخاصة: من دخلت مدانة، ومن زُجّ بها ظلمًا، ومن دفعتها القسوة إلى الجريمة، ومن سُحقت تحت ثقل الفقر أو العنف أو الخذلان. هذا التنوع لا يشتّت العرض، بل يمنحه كثافة إنسانية، ويجعل المشاهد شريكًا في إعادة طرح السؤال: من المذنب الحقيقي؟
السجن كاستعارة كبرى
أكثر ما يميّز «سجن النسا» هو انتقاله من توصيف الواقع إلى محاكمته. فالقضبان هنا ليست سوى عرضٍ لمرض أعمق:
مجتمع يعاقب الضحية أكثر مما يحاسب الجاني.
منظومة أخلاقية تختبئ خلف شعارات زائفة.
أفكار بالية من نوع «ظل راجل ولا ظل حيطة» تتحوّل إلى أحكام مؤبدة على وعي النساء.
العرض يذهب أبعد من نقد السلطة الذكورية، ليكشف أن السجن الداخلي – سجن الأفكار والخوف والاستسلام – هو الأكثر إحكامًا، والأصعب هدمًا.
تألق النجمه صفاء جلال في عرض «سجن النسا»
تقدّم صفاء جلال في عرض «سجن النسا» عودة مسرحية لافتة بعد غياب، عودة لا تقوم على الحنين أو التعويل على اسمها،
بل على أداء واعٍ ومتماسك يعرف جيدًا أين يقف داخل عمل جماعي شديد الحساسية والتوازن.
منذ ظهورها الأول على الخشبة، تبدو صفاء جلال ممثلة تعرف أن هذا العرض لا يحتمل الاستعراض الفردي، فاختارت طريقًا أصعب وأكثر نضجًا: الاندماج الكامل داخل النسيج الدرامي. أداؤها يتسم بالاقتصاد في الحركة والانفعال، مع اعتماد واضح على التفاصيل الصغيرة؛ نبرة الصوت، نظرة العين، الصمت المحسوب، وهي عناصر تصنع شخصية مقنعة دون مبالغة أو افتعال.
تحسب لها قدرتها على تجسيد القهر دون خطابية، فمشاعر الألم والانكسار لا تُقال مباشرة، بل تُستدعى تدريجيًا، ما يجعل المتفرج شريكًا في اكتشاف الحالة النفسية للشخصية. هذا النوع من الأداء الهادئ يتماشى بذكاء مع رؤية المخرج يوسف مراد منير، التي تقوم على أن يكون التأثير نابعًا من الصدق لا من الضجيج.
كما تُظهر صفاء جلال وعيًا مسرحيًا عاليًا في تعاملها مع زميلاتها على الخشبة؛ فهي تمنح المساحة، وتلتقط الإيقاع الجماعي، وتعرف متى تتقدم ومتى تتراجع. هذا السلوك المسرحي يعكس خبرة حقيقية، واحترامًا لفكرة البطولة النسائية الجماعية التي يقوم عليها العرض.
قد لا يكون الدور من الأدوار الصاخبة أو ذات الذروة الدرامية الحادة، لكنه دور يتطلب ممثلة قادرة على ملء الفراغات الداخلية للشخصية، وهو ما نجحت فيه صفاء جلال بامتياز. حضورها يضيف ثقلًا إنسانيًا للعمل، ويمنح بعض مشاهده عمقًا شعوريًا إضافيًا، دون أن يخل بتوازن العرض العام.
صفاء جلال تقدم في «سجن النسا» أداءً ناضجًا، متزنًا، ومخلصًا للمسرح كفن جماعي. عودة تحسب لها، لا لأنها عودة بعد غياب، بل لأنها عودة تؤكد ممثلة تعرف قيمة الصمت بقدر ما تعرف قوة الكلمة، وتدرك أن التأثير الحقيقي يبدأ من الداخل.
الإخراج.. بين التراجيديا والاستعراض
يوسف مراد منير يغامر بدمج التراجيدي مع الغنائي والاستعراضي، في توليفة قد تبدو محفوفة بالمخاطر، لكنها تنجح في أغلب لحظاتها.
الأغاني لا تأتي للزينة، بل تؤدي وظيفة درامية، بينما تساهم الاستعراضات في كسر الرتابة البصرية دون أن تسقط في فخ الإبهار المجاني.

السينوغرافيا والإضاءة تتحالفان لخلق فضاء خانق أحيانًا، ومكاشف أحيانًا أخرى، بما يخدم فكرة السجن كحالة نفسية قبل أن يكون مكانًا.
مسرح السلام.. استمرارية الدور
ليس غريبًا أن يخرج هذا العرض من مسرح السلام، أحد المسارح التي حافظت على تقليد تقديم عروض ذات بعد فكري وجمالي، قادرة على مخاطبة الجمهور دون الاستخفاف بوعيه. النجاح الجماهيري ورفع لافتة «كامل العدد» لا يعنيان بالضرورة تنازلًا فنيًا، بل يؤكدان أن المسرح الجاد ما زال قادرًا على جذب المتلقي حين يُقدَّم بصدق.
«سجن النسا» ليس عرضًا عن نساء خلف القضبان بقدر ما هو مرآة لمجتمع محبوس داخل تصوّراته. هو عمل يزعج أكثر مما يطمئن، ويطرح الأسئلة بدلًا من تقديم إجابات جاهزة.

حين تُسدل الستارة، لا يخرج المشاهد وهو يتعاطف فقط مع السجينات، بل وهو مضطر لمراجعة موقعه:
هل نحن خارج السجن فعلًا؟
أم أننا فقط تعوّدنا على العيش داخله؟














