بقلم: ريهام طارق
تُعد أنثى برج الدلو واحدة من أكثر الشخصيات النسائية تعقيدا وثراء على المستويين النفسي والإنساني، فهي امرأة تتمتع بروح مستقلة وشخصية قوية، ترفض الوصاية، وتسعى دائمًا لحريتها الفكرية و العاطفية.
لا تقبل أن تُختزل في أدوار نمطية أو أن تشبه أحدًا، فهي دائمًا مختلفة وفريدة من نوعها، تمتلك عقلا نشيطاً لا يكل من التفكير واستكشاف الجديد، و وعيًا مبكرًا يلاحظه من حولها منذ طفولتها، ما جعلها غالبا سابقة لعصرها في اختياراتها ومواقفها، وجسد مثالا للمرأة التي تجمع بين الاستقلالية والذكاء الاجتماعي والفطنة الإنسانية.
انثى الدلو امرأة مندفعة و متهورة في حبها لا تعرف أنصاف المشاعر:
على الصعيد العاطفي، تعرف أنثى الدلو بصدقها الذي يصل أحيانا إلى حد الاندفاع والتهور، فهي تحب بعمق يفوق الحد، وتمنح ثقتها كاملة بلا حسابات معقدة، وتعيش مشاعرها بصدق تام، لكن مواجهة الخذلان أو الخيانة تحدث فيها كسور في قلبها، إذ تعتبر الخيانة صدمة تهز ثقتها بكل من حولها وتصنع منها نسخة قاسية يصعب كسب ثقتها من جديد.
إنها أنثى لا تعرف أنصاف المشاعر، دائمًا مرفوعة الرأس: إما أن تحب بكل قلبها، أو حين تشعر بالغربة في المكان، تنسحب بهدوء وصمت، محافظة على كبريائها، دون رغبة في الانتقام أو شعور بالغضب، تكتفي فقط بإغلاق الباب خلفها والقاء هذه الصفحه من حياتها في سلة النسيان دون رمشة عين.
ريهام طارق تكتب: طيب ولا ضعيف الشخصية؟ سؤال إجابته هتغيّر نظرتك لنفسك
انثى برج الدلو طفله مدللة بريئه تتخفي وراء قناع من القسوة والبرود :
أنثى برج الدلو،هي عنوان للبساطة والبراءة، طفله مدللة، مرحة، خفيفة الظل، حساسة ، رقيقة لديها عاطفة صادقة، لكنها تخفي هذه البراءة خلف قناع من القوة، و أحياناً يفسر على أنه قسوة ، كثيرًا ما يسيء قراءة شخصيتها، فيظن البعض أنها امرأة باردة أو متحررة من الألم، لأنها ترفض إظهار ضعفها أو تأثرها، مهما اشتدت بها الألم.
انثى الدلو المتمردة متفائل صاحبة الأثر الذي لا ينسى:
تتمتع بروح متفائلة ومن أبرز سماتها التمرد، فهي لا تقبل الظلم ولا تساوم على كرامتها، تتحمل الألم طويلا، لكن حين تصل إلى لحظة الحسم، يكون الانسحاب نهائيا هذا التناقض بين القوة والانكسار، البراءة والوعي، هو ما يمنحها جاذبية خاصة ويترك أثرا دائمًا في حياة من تقابلهم.
سعاد حسني سندريلا السينما المصرية و انثى برج الدلو:
لم تكن هذه الصفات مجرد سمات عامة لأنثى الدلو، بل تجسدت بوضوح في شخصية سعاد حسني، سندريلا السينما المصرية وبنت برج الدلو، التي جمعت بين الاستقلالية والبراءة، وبين القوة الظاهرة والهشاشة الداخلية، كانت روحا حرة لا تعرف الأقنعة، تحب بصدق وتمنح بلا حساب، تنكسر بصمت حين تُخذل.
هذه التناقضات لم تصنع فقط سعاد الفنانة القادرة على أسر قلوب جمهورها، بل شكلت أيضًا كلمات السر في حياتها الشخصية، مفاتيح لفهم وحدتها، و خيبات، ولحظات انكسارها التي حولتها إلى فن خالص يظل شاهدا على الوجه المظلم من حياتها.
أغنية «بانو بانو» كلمة السر للسيرة الذاتية لـ سعاد حسني:
من أبرز أعمالها الفنية التي جسدت خيباتها بصدق واضح، أغنية “بانو بانو”، التي غنتها في فيلم “شفيقة ومتولي”، لم تكن الأغنية مجرد مشهد غنائي ضمن سياق الفيلم، بل جاءت أقرب إلى سيرة ذاتية لحياتها، واعتراف صريح للجانب المظلم من حياتها الشخصية.. وجعها.. ألمها، وانكسارها، وأشباه الرجال الذين دخلوا حياتها و غدروا بها، لم تكن أغنيه بل كانت صرخة عالية تحولت إلى وثيقة سجلت هزيمتها في الحب والحياة معا .
تحليل موسيقي لاغنيه “بانو بانو” :
أغنية “بانو بانو” كانت بمثابة لوحة موسيقية متكاملة، انسجم فيها الكلمة الصادقة مع لحن بعث الحياة فيها لتخترق قلوب الناس وتكشف عن جراحهم وتذكرهم بآلامهم.
كتب كلمات الأغنية العبقري صلاح جاهين بأسلوب بسيط، واقعي، مباشر، خالٍ من أي زخرفة، ليصبح النص مرآة صادقة تكشف زيف أشباه الرجال الذين عبروا حياة السندريلا.
أما الموسيقار كمال الطويل، فقد صاغ لحنا بسيطا، لكنه مشحون بالتوتر الداخلي، يتدرج بين النبرة الساخرة أحيانا، و الغاضبة أحيانا أخرى، وصولا إلى التقبل والاعتراف بالواقع المؤلم الذي عاشته سعاد حسني، بعيدًا عن الصراخ أو الانفعال المبالغ فيه، ليجعل صوت سعاد صرخة صادقة من أعماقها.
ريهام طارق تكتب: الأبراج والتاروت أخطر عملية نصب في العصر الحديث
عبقرية أداء سعاد حسني
برزت عبقرية أداء سعاد حسني، التي تمثل قلب التجربة، فقد سجلت الأغنية ست مرات متتالية نتيجة بكائها المتواصل، أثناء التسجيل مع نبرة صوت مختنقة، توقفات طبيعية بين الكلمات، اهتزازات خفيفة في الحلق، وتقطيع لحني نابع من الانفعال، جميعها عناصر جعلت الأداء واقعيًا وصادقًا، كأنها تعلن تفاصيل حياتها على الملأ.
هذا الانسجام بين الصوت والكلمات واللحن خلق تجربة موسيقية كاملة للألم الشخصي، حيث لم يكن الأداء مجرد مشهد تمثيلي، بل شاهد حي على وجع حقيقي وانكسار صادق.
التكرار في عبارة “بانو بانو على أصلكو بانو” لم يفقد تأثيره، بل ازداد قوة تأثيره مع كل مرة، فهو ليس تأثير موسيقيًا فقط، بل كان نفسيا أيضًا، عكس الصراع الداخلي والانكسار، وحول الاغنيه إلى تصريح صريح لرفض الخيانة و الزيف والإعلان عن الوصول إلى مرحلة النضج والوعي وكشف الحقيقة وأن لا يوجد مجال لأي خديعة جديدة.
أغنية “بانو بانو” شهادة خالدة على عبقرية سعاد حسني:
ستظل أغنية “بانو بانو” شهادة خالدة على عبقرية سعاد حسني، رحم الله هذه الروح الطيبة، التي أحبت بلا حساب، و تألمت بصمت، وحولت ألمها إلى فن خالد في القلوب، ورحمه الله علي عبقري الكلمة صلاح جاهين، الذي أبدع في صياغة الوجع بأسلوب واقعي وحقيقي، ورحمه الله علي الموسيقار كمال الطويل، صاحب هذا اللحن العبقري، لتظل “بانو بانو” أيقونة موسيقية فريدة وتجربة إنسانية لا تنسى.

نبذة عن الكاتب:
ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في الأخبار الفنية والثقافية، أجرت حوارات صحفية مع نخبة من أبرز نجوم الفن في الوطن العربي، وتشغل حاليًا منصب مساعد رئيس التحرير ورئيس قسم الفن بمؤسسة [اليوم للإعلام] التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، والتي تضم عددًا من الإصدارات الصحفية، من بينها جريدة أسرار المشاهير، اليوم الدولي، أخبار مصر 24، وجريدة تريندات العالم في جمهورية مصر العربية.
انطلقت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية،عبر جريدة [إبداع] في الرياض، قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، من بينها جريدة [الثائر] وجريدة [المغرّد] في لبنان، وجريدة [النهار] في المغرب،ومجلة [النهار] في العراق، ومجلة [المحور] في الكويت.
كتبت ريهام طارق عددًا من المقالات التحليلية المتخصصة في مجالات السياسة الدولية وأسواق المال الأمريكية والأوروبية، كما شغلت عضوية اللجنة الإعلامية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتعمل حاليًا على تقديم محاضرات متخصصة في الصحافة بمدينة مسقط سلطنة عمان.



