تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
سيكولوجية تعاطي المخدرات لدى شباب قطاع غزة ..بقلم: لطيفة القاضي
مرّ بي صديقي سليم الرجل الغزيُّ العزيز، البالغ من العمر 30 عاما يعمل في محل لبيع الملابس وكان مخدّراً بفعل ما تناوله من تلك السموم.كم أحزن عند رؤيتي له وهو على تلك الحال! وأقول في نفسي: متى يا سليم تقلع عن إدمانك؟!
رآني فبقي مشدوها، وكأنه لم يرني إلا اللحظة هذه، فلم ينطق بكلمة واحدة ثم مضى في سبيله مطأطأ الرأس مغيَّب الوعي، ولكنني أسِفت لحاله كثيرًا؛ فعاهدت نفسي على أن أتحدث إليه لعلني أستطيع مساعدته.
في الغدِ، وبحمد الله تعالى لم يكن مخدّرًا.ولكنه كان في عصبية شديدة لا تحتمل كثيرًا من الصبر،ومع ذلك، دنوت منه وقلت له متبسما بلطف:”يا أخي سليم، ألا نتحدثُ قليلاً في الشاطئ؟” فانفجر غضبا قائلا :(اذهبِ! ما بدي أحكي معكِ)، لكن عاودت دعوته بالأسلوب ذاته:”يا أيها العزيز، لماذا تهلك نفسك بالغضبِ؟ هدئ من عصبيتك.إنما أنا صديقة مقربة منك، وأريد لك خيرًا فهيا بنا إلى الشاطئ لنتحدث قليلاً” فقبل دعوتي، وذهبنا سويا إلى الشاطئ،وأخذنا مكاننا على صخرة،وتركته هُنَيهة ينظر فيها إلى البحر الجميل، ويستنشق هواء نقيًاثم من بعدُ قلت له:هلتحس أنك ضائع؟”فقال:”بلىضائع جدا!!”هل تعرف أنك مدمن يا عزيزي؟ وأخذيروي حكايته مع الإدمان قائلًا:(كانت البداية عندما وقعت ضحية للإدمان من خلال رفقاء السوء وكان عمري حينئذ 23عاما، فكان أحد من أصدقائي يعرض علىَّ قرصًا، ولكنني في بداية الأمر كنت أسأل عن ماهية هذا القرص فكان صديقي يقول لي خذها، وسوف ترتاح وفي حقيقة الأمر كنت أرتاح كثيرًا. وتطور الأمر واستدرجني صديقي فكنت أطلب المزيد، ولقد حصلت على هذه الأقراص من أصدقائي وكان ثمنها 35شيكل أي ما يعادل 10 دولار للشريط الواحد”.
يضيف سليم بصوت مبحوح قائلا: “تخرجت من الجامعة آداب قسم لغة عربية ولم أجد العمل وبحثت كثيراً فلم أجد وتعرفت أثناء وجودي في مقهى على مجموعة من الأصدقاء وهم الذين دمروا حياتي كلها حتى الآن وأنا أعاني كثيراً”
إن ظاهرة إدمان المخدرات في مجتمع غزة المحافظ الذي تسيطر عليه العائلة،والاعتراف بهذه القضايا يعتبر وصمة عار في مجتمع غزة، وعلى هذا المنوال فإن الواقع الفلسطيني يلعب دوراً كبيراً في تحديد أنواع المشكلات التي تواجه الشباب في أفق الحياة الفلسطينية المكبوتة وتؤثر عليهم تأثيراً سلبياً؛ لأنها تصب في عمق المجتمع.
وكشفت النتائج أن حوالي (26500) شخص يتعاطون المخدرات في فلسطين، و(10047) في غزة يتعاطون بشكل رئيسي الترامادول، والليريكا، وغاز الضحك. وان هناك (1118) شخصا من أصل (26500) يتعاطون المخدرات بالحقن، حيث بدأوا بالتعاطي تحت سن الـ (18) سنة.
كما بينت الدراسة أن (94%) من الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات بشكل خطر يدخنون السجائر او النرجيلة، ومنهم في غزة شربوا الكحول على الأقل مرة واحدة، وأظهرت الدراسة ان حوالي (50%) من الذين يتعاطون المخدرات بشكل خطر يستخدمون أكثر من نوع مخدرات.
وفي هذا التقرير الإحصائي ]الإحصاء الفلسطيني يعلن النتائج الأساسية لمسح القوى العاملة في كانون الثاني-آذار، ٢٠٢٢]أظهرت التقارير الرسمية التي صدرت حديثاً أن نسبة البطالة في صفوف الفلسطينيين لعام 2022 وصلت إلى 26 في المئة وفي قطاع غزة 47 في المئة،
وفي تقرير بعنوان ]الفقر في فلسطين ]في تاريخ ٢٨/أبريل ٢٠٢٢ يشير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى أن ما يقارب ثلث السكان الفلسطينيين يعانون الفقر، وأن معدل انعدام الأمن الغذائي من إجمال السكان البالغ عددهم 5.36 مليون نسمة وصل العام الماضي إلى 32.7 في المئة.
المزيد من المشاركات
يضيف سليم ويقول : “كنت ألجأ إلى السرقة لأجل تعاطي المخدر، وكشفتني أمي أثناء سرقة هاتفها وطردتني من البيت. فذهبت عند صديق لي أقمت معه في البيت، وفي يوم جاء أبي وأخذني عنوة إلى مصحة في غزة (أ) للعلاج، وبالفعل دخلت المصحة فكانت الأيام ثقيلة، ولا تمرّ أبدا ولا أحد يجيب على أسئلتي، ويقال لي أنك ستظل هنا لحين تمام شفائك “
ولقد أجريت حوار مع بعض من شباب غزة لكي أسألهم لماذا يلجأ شباب غزة لتعاطي المخدرات؟فجاوبت لي سناء (اسم مستعار) تبلغ من العمر 24عاما قالت:”بسبب سوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والمشاكل الأسرية، وافتقار الشعور بالحب، والأمان، والحصار، والفراغ، والضغط المتواصل. ويقول إحسان البالغ من العمر 22عاما:” إن الشخص الذي يتعاطى المخدرات هدفه الأساسي الهروب من المشكلات، ولكن مع الأسف الحقيقة المرة هي عكس تلك تماماً إذ يجد نفسه قد وقع في مشكلة أكبر لا يستطيع التخلص منها”.
وفي مقابلة مع أحمد(اسم مستعار) يبلغ من العمر 33عاما تخرج من الجامعة والآن عاطل عن العمر ليروي لنا حكايته مع الإدمان قائلا:(لقد تناولت الترام دول للمرة الأولى عندما أصبت جراء قصف جوي إسرائيلي، وبسبب الآلام الحادة التي كنت أشعر بها كان لابد من جرعات كبيرة من هذه المادة المخدرة التي كنت أصرفها عبر وصفة طبية لمدة لا تزيد عن أربعة أشهر”، ويضيف أحمد قائلًا: “تطور الأمر معي وكنت أشعر بتنميل في كل جسدي وكدت أن أسقط على الأرض فذهبت مسرعًا لكي أشتري هذه المادة المخدرة كالمعتاد إذ بالصيدلاني لا يريد أن يعطيني هذه المادة وحدث تصادم بيننا أدي بي إلى الدخول للسجن بتهمة التعاطي “.
ومن هنا ففي قطاع غزة أنواع مختلفة من المخدرات ومنها المسكنات مثل: الأفيون، والترام دول، والمورفين، والكوكايين، والهروين، والحشيش، والكحول، وعقاقير الهلوسة والعقاقير المنومة وغاز الضحك. والمنشطات مثل: الكوكايين، والقات، والنيكوتين. تدخل المخدرات إلى قطاع غزة من مصر عن طريق الأنفاق على يد مجموعة من الفلسطينيين الهاربين من القطاع إلى مصر؛ فعملوا على توريد المخدرات إلى غزة، ويتم ترويجها عن طريق التجار الكبار الذين يعملون على تجنيد شباب لبيعها.
“غاز الضحك” عبارة عن عبوة معدنية رخيصة لا يتجاوز حجمها ثمانية غرامات ومضغوطة بـ “أكسيد النيتروس”انتشر بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و34 سنة. قلبت حياة معتز منصور يبلغ منال عمر33 عاما رأساً على عقب، فبعد أن أنهت الشركة التي خدم بها لسنوات طويلة عقد عمله بسبب أزمة مالية مستعصية، نصحه بعض الأصدقاء بشراء واحدة عله يرفه عن نفسه وينسى همومه، فعلها منصور وما هي إلا ساعات حتى انتشر له مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي وهو في حال ضحك هستيري وهلوسة وتخبط وتلعثم في الكلام، الأمر الذي دفع خطيبته إلى فسخ الخطوبة لاعتقادها وعائلتها أنه كان مخموراً.
المدير العام في قسم مكافحة المخدرات في قطاع غزةعبدلله عليوي يقول:” إن الاستعمال الترفيهي لـ “غاز الضحك” آخذ في الازدياد، وانتشر بين الشباب خلال تفشي فيروس كورونا والإغلاق الذي صاحبه، إذ اضطر مدمنو الحشيش وحبوب النشوة لاستخدامه كبديل للمخدرات، وهو ما أصبح يشكل مصدر قلق كبيراً وموضع نقاش متصاعداً خلال الآونة الأخيرة”.
ويعلق الدكتور محمود أبو دف أستاذ وعميد التربية في دراسة على تعاطي المخدرات لشباب غزة وظهر من خلالها الأسباب المؤدية لتعاطي المخدرات في قطاع غزة قائلاً:” ترجع إلى عدة أسباب وعوامل ومن أهم هذه العوامل: ضعف الوازع الديني، التفكك الأسري، التنشئة الأسرية الفاسدة، رفقاء السوء، وقت الفراغ، وجود المال الوفيرفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني المقهور فيشكو كثير من الشباب من الفقر والبطالة والجوع والحرمان فيتعاطى الشباب المخدرات بغية الهروب من المشكلات”
ويقول على (اسم مستعار) يبلغ من العمر 18 عاماطالب في الثانوية العامة :”لم أسمع قط أن دولة في العالم صنفت أكسيد النيتروس أو غاز الضحك كنوع من المخدرات، ولا يمكن بحسب اعتقادي أن تمارس الشرطة سلطتها القانونية كفرض عقاب أو اعتقال أو غرامات لمجرد أن أحداً جرب غاز الضحك من باب التفريغ والترفيه، كما أنه بديل رخيص وآمن لمن لا يريدون أن يصبحوا مدمنين على المخدرات”.
يؤكد الطبيب النفسي المتخصص. فضل عاشور لرصيف 22 الذي يعالج حالات الإدمان موضحًا: “أن انتشار تداول المخدرات كانت في السابق تنتشر بين الطبقات الفقيرة، والأقل علماً، ولكننا اليوم نجدها تنتشر في غزةبين جميع الطبقات وخاصة المتعلمين، ويؤكدأن غالبية المتعاطين حاصلين على شهادات علمية”.
بحسب الشرطة الفلسطينيةفي قطاع غزة، عقوبات قانونية قاسية على مروجو ومدمنو المخدرات، وقد تصل العقوبة إلى السجن 20 عاما.
في اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يصادف السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد أطباء معالجين لحالات من الادمان أنه لا بد من التركيز على خطورة التغيرات السياسية والاجتماعية على الشباب، فالرعاية الصحية لا تقتصر على التدخلات الطبية والعلاجية، بل يجب إيلاء غاية الاهتمام للصورة المجتمعية الكبرى وأثرها في الشباب الفلسطيني، لأنهم بحاجة إلى الرعاية وإلى أن توكل إليهم مسؤوليات تمنحهم الشعور بالمسؤولية والنجاح”.
المقال التالى
