تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
صراع الآخر ورسوخ الهوية في رواية بنات بالتيمور … بقلم: عبده حسين إمام
المزيد من المشاركات
كثيرا ما تكون الهجرة باعثا للانسلاخ من الجذور والانبهار المجحف بالغرب والذي قد يخل بقيمة الأصل والمرجع، وطرح الأسئلة الوجودية جمة عن قيمة الوطن في ظل عبثية من العناء ودوائر من العراقيل وعناكب الجمود تعشش في هامش من الفكر والوجود.
وفي طرح مغاير نستعرض في رواية بنات بالتيمور للكاتب والأديب محمد عبد الحافظ ناصف حيث تتبُع الهوية ورسوخها في وجدان الشخصية المصرية كعنصر أساسي في الرواية باختلاف مستوياتها وسماتها وأمكنتها.
أفلح الكاتب في تعميق الشعور بالهوية والانتماء الذي ظل ملازما للشخصية على امتداد الرواية متمثلا في شخصية فاروق المهاجر المصري الذي يحمل وجدانه جذورَه وما تشبعت به نفسه من معايير هويته وثقافته وعاداته المصرية الأصيلة، وفي مستوى آخر شخصية حسن في تصاعد يتمحور حول نفس المعنى من حيرة ذاتية وتداعيات الهجرة وتجليات الآخر؛ هل مفهوم العلاقة مع هذا الآخر صراعا يرفض القبول؟ أم تكاملا بنَّاءً تتعايش من خلاله الشعوب والثقافات والعرقيات على اختلافها الشاسع في المجتمع الأمريكي المنفتح.
ومن عنوان الرواية نرى بروز عنصر المكان في الرواية حيث تدور أحداثها بين مدن ثلاث، وهي مدينة بالتيمور، أشهر وأهم مدن ولاية ميريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، والقريبة من مدينة واشنطن دي سي العاصمة الأمريكية، ومدينة القاهرة العاصمة المصرية العتيقة، ومدينة المحلة الكبرى، في وسط دلتا النيل المصرية.
تناول السرد فترات زمنية عديدة في حياة الشخصيات وفقا لسياق الحبكة والتي ألقت ببعض الهوامش السياسية والتاريخية بظلالها في الداخل المصري أو في بلد المهجر.
ومن خلال رؤية الراوي العليم وفي أربعين فصلًا هم عدد فصول الرواية تم التضفير بين الأمكنة والأزمنة في التصاعد الدرامي بالرواية، فجاء السرد موفقا في التعبير عن حالة الصراع النفسي والاجتماعي لشخصية فاروق يقود قافلة عائلته في غربة مريرة باردة يأمل أن يرى بناته زوجات وفي ظل شرطه الصعب بأن يزوجهن من مصريين في المجتمع الأمريكي، زاد الأمر تعقيدا وصعوبة في ظل دأبه على الحفاظ على هويته وانتمائه المصري ورفضه ارتباطهن بجنسيات أخرى حتى وإن توافرت الشروط المثلى في البعض مثل الشاب الماليزي الذي رفضه فاروق.
وتعددت صور الصراع حتى داخل الأسرة المصرية بين الأب فاروق والابن رضوان المولود في الولايات المتحدة الأمريكية بفكر مختلف وروابط غير واضحة مع جذوره.
في الرواية يخاطب فاروق ابنه
“فاروق: نعم أمريكان ومصريون وعرب وأفارقة وقبل كل ذلك مسلمون.
رضوان: مصريون، عرب كيف؟”
لتنفتح الرواية على أوجه جديدة للصراع.
ويتجدد الصراع على استحياء مع شخصية حسن مع حداثته في مجتمع جديد وهو القادم للتو من عالم ثالث يعاني من اضطراب موازين العدالة الدولية وبالأخص من القطب الأوحد أمريكا إذ يقول مخاطبا أحد المسئولين الغربيين ” أمريكا بالنسبة للعالم الثالث والبلدان الفقيرة حذاء ثقيل يدوس عليهم لمصلحتها ومصلحة أصدقائها”
بيد أن السرد كان محايدا في نقل المجتمع الأمريكي بقيمه وإعلائه لقيم المساواة في النسق العام للمؤسسات والكيانات الرسمية كجامعة بالتيمور بؤرة الأحداث حتى في وجود بعض السلوكيات الفردية الداعية للعنصرية والتنمر.
برع الكاتب في نقل سمات المكان ليس ظاهريا فقط ولكن السمات السلوكية والاجتماعية لأهل هذا المكان فكما نقل أجواء جامعة بالتيمور وصراع الثقافات والعادات بل والايديولوجيات أيضا نقرأ كيف أبدع الكاتب في وصف القرية وما تحمله من ثوابت أخلاقية كما في علاقة عبد الرحمن بزوجته وابنه حسن والمشاعر السامية فيما بينهم.
وفي مقارنة بسيطة بين ما أبرزه السرد عن الحياة في أمريكا من ضباب وقلق وعنصرية
وما في القرية المصرية من حميمية وتضحيات وثوابت تبدو بالفعل مهارة الكاتب ووضوح رسالة الرواية.
جاءت اللغة في سرد سلس مدعم بالصور البلاغية مبهرة في بساطة بدون تقعر بكلمات سلسة بعيدة عن الأسلوب المعجمي المنفر للقارئ.


