عبد الحي أديب .. في صباح العاشر من يونيو عام 2007، أسدل الستار على حياة واحد من أعمدة السينما المصرية، الكاتب والسيناريست عبد الحي أديب، الذي ترك وراءه إرثًا فنيًا يربو على 150 فيلمًا، جعلته يستحق عن جدارة لقب شيخ كُتاب السيناريو.
وُلد عبد الحي مصطفى أديب في مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في 22 ديسمبر 1928. بدأ حياته مثل كثير من أبناء مدينته عاملًا في مصانع الغزل والنسيج، قبل أن ينتقل للعمل مدرسًا للتربية الفنية.
كتبت: ماريان مكاريوس
لم تكن تلك المهن سوى محطات أولى على طريق طويل قاده إلى معهد الفنون المسرحية، الذي التحق به بدافع حب دفين للفن. هناك، درس التمثيل، لكنه لم يكن يعلم أن موهبته الحقيقية تنتظره خلف الورق، لا أمام الكاميرا.
اقرأ أيضا: حرمان بعض مستحقي معاشات التضامن الاجتماعي .. تعرف على السبب والفئات المستبعدة
بدايات عبد الحي أديب
عُرف عن عبد الحي أديب طموحه الحاد وجرأته في خوض التجارب، فأنشأ مع إخوته مصنعًا عائليًا، إلا أن حبه للفن تغلّب على كل المشاريع العملية التي كانت تفرضها الظروف الاقتصادية. ترك كل شيء وراءه، وذهب يبحث عن مجده الخاص في عالم السينما، وكانت بدايته العملية كمساعد للمخرج الكبير يوسف شاهين. لم يكن العمل مع شاهين مجرد وظيفة، بل كان درسًا فنيًا يوميًا، انعكس لاحقًا في قدرة أديب على المزج بين الرؤية السينمائية والبعد الإنساني في شخصياته.
أول مشاركاته الفنية
في عام 1958، شارك في صناعة فيلم باب الحديد، أحد علامات السينما المصرية، والذي مثّل نقطة تحول فارقة ليس فقط في مسيرته، بل في تاريخ السينما الواقعية. استوحى اسم الفيلم من محطة مصر – الاسم القديم لمحطة رمسيس – لكن فكرته خرجت من ذاكرته البصرية لمحطة سكة حديد المحلة، حيث نشأ بالقرب منها، وكانت لها رمزية خاصة لديه. تلك التفاصيل الصغيرة التي انتزعها من ذاكرته الشخصية زرعها في أعماله ببراعة، فجعل من السيناريو مرآة للمجتمع، وليس مجرد وسيلة لسرد الحكايات.
من أبرز من آمن بموهبته ودعمه في بداياته، كان الكاتب الكبير أبو السعود الإبياري، الذي لم يبخل عليه بالفرص والتوجيه، فأشركه في كتابة عدد من الأفلام الكوميدية والاجتماعية. وشهدت هذه المرحلة تشكّل لغة أديب الخاصة: لغة تجمع بين الطابع الشعبي والبناء الدرامي المتماسك، ما جعله لاحقًا أحد أكثر كتاب السيناريو تعاونًا مع كبار المخرجين والنجوم، دون أن يفقد خصوصيته أو بوصلة رؤيته.
‘قرأ أيضا: النفط والذهب يشتعلان.. بعد ضربة إسرائيل لإيران الأسواق العالمية تحت رحمة التوتر
صوت الشارع
لم يكن عبد الحي أديب يكتب لتسلية الجمهور فقط، بل كتب ليُعبّر عن الناس، عن أحلامهم، عن مشكلاتهم، عن ضغوط الحياة وتفاصيلها. كانت أفلامه صوتًا للشارع، وخريطة لمزاج الطبقة المتوسطة والمهمّشة، تجلت في أعمال مثل: الخبز المر (1982)، بيت القاضي (1984)، والبدروم (1987)، وهي أعمال تمثل بانوراما اجتماعية كاملة لمصر في الثمانينيات، حيث الاقتصاد المتقلّب، وتغيّرات القيم، وتحديات العائلة.
كتابات سينمائية
كتب عبد الحي أديب أفلامًا لا تزال حيّة في الذاكرة الجمعية، مثل: أم العروسة، أخطر رجل في العالم، العتبة جزاز، حافية على جسر الذهب، سر طاقية الإخفاء، صغيرة على الحب، أنا الهارب، امرأة واحدة لا تكفي، استاكوزا، ديسكو ديسكو، قضية سميحة بدران، الطاووس، الوردة الحمراء، مذكرات مراهقة، ليلة البيبي دول، وغيرها كثير. وبرغم أن بعضها نال حظًا أكبر من الشهرة، فإن حتى أفلامه الأقل جماهيرية اتسمت بلمسة صادقة، وحرص على تفاصيل الشخصيات، ووعي بالتغيرات النفسية والاجتماعية.
كتب افلام عددها ست افلام للسينما التركية منها جبار و شيطان البوسفور.
حياته الشخصية
أما على المستوى الشخصي، فقد تزوج عبد الحي أديب من السيدة بسيمة محمد الفخراني عام 1949، وأنجب منها ثلاثة أولاد، كلٌ منهم سار على طريق الإبداع بطريقته: الكاتب الصحفي والإعلامي عماد الدين أديب، والإعلامي عمرو أديب، مقدم برنامج “الحكاية”، والمخرج عادل أديب، الذي أخرج فيلم “ليلة البيبي دول”، أحد آخر سيناريوهات والده، والذي تم تصويره بعد وفاته.
جوائز وتكريمات
لم تذهب موهبة عبد الحي أديب سُدى، فقد حصل على عدة جوائز منها جائزة أفضل سيناريو عن فيلم سعد اليتيم من مهرجان جمعية الفيلم، وجائزة أحسن سيناريو من المهرجان القومي للسينما عن فيلم “ديسكو ديسكو”، كما وصل فيلم “أم العروسة” إلى التصفيات النهائية لجائزة الأوسكار في الستينيات كافضل فيلم ناطق بللغة غير الانجليزية، وشارك فيلم “باب الحديد” في مهرجان برلين السينمائي الدولي.
رحل عبد الحي أديب عن دنيانا في سويسرا، بعد صراع مع مرض في القلب، تاركًا وراءه حكاية مبدع بدأ من لا شيء، وصنع من واقعه المعاش مادة خام للسينما الخالدة. لم يكن أديب مجرد كاتب سيناريو، بل كان راوي الحارة المصرية، وحارس الحلم الشعبي، وصوت البسطاء الذين وجدوا أنفسهم على الشاشة من خلال كلماته.
في زمن سادت فيه الأعمال التجارية والمشاهد المستهلكة، يبقى تراث عبد الحي أديب نموذجًا يُحتذى به في الإخلاص للفكرة، والإيمان بدور الفن في بناء الوعي، وترسيخ الهوية. لم يركض وراء الصيحات، بل صاغ مدرسته الخاصة، التي جمعت بين السرد العميق والنبض الشعبي، وهو ما يجعلنا – في ذكراه – لا نرثيه فقط، بل نحتفي به، وندعو لإعادة قراءة أعماله كجزء أصيل من الذاكرة الثقافية المصرية والعربية




