كتبت: ريهام طارق
في رابع مقالات سلسلة “سِيَرٌ تُنير”، التي نبحر عبرها في صفحات التاريخ الإسلامي لنستكشف نماذج أضاءت دروب الأمة، نقف اليوم أمام سيرة رجلٍ اجتمعت فيه خصال كريمه، و شجاعةٌ نادره ، وعلمٌ وافر لا ينضب، وحياه زاهده انتصر فيها إيمانه على مغريات الدنيا.
إنه الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عم رسول الله ﷺ، وزوج ابنته فاطمة الزهراء، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شخصية لم تكن مجرد فصل من فصول التاريخ الإسلامي، بل كانت مدرسة في الإيمان والزهد والعدل والحكمة.
النشأة والنسب: علي بن أبي طالب… ترعرعت جذورٌ في كنف النبوة
وُلد علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، المُكنّى بـ أبي الحسن، في شعب بني هاشم بمكة المكرمة، قبل البعثة النبوية بنحو عشر سنوات، وقبل الهجرة بثلاثة وعشرين عامًا تقريبًا نشأ في بيتٍ عريقٍ في السيادة والمكانة، يجتمع نسبه مع نسب النبي ﷺ في عبد المطلب بن هاشم، ما جعله قريبًا منه نسبًا ومقامًا منذ البداية.
كان والده أبو طالب، واسمه عبد مناف سيدًا من سادات قريش، آلت إليه السقاية والرفادة بعد وفاة والده عبد المطلب، فكان صاحب مكانةٍ رفيعة في قومه، رغم ما عُرف عنه من ضيق الحال وكثرة العيال، أما أمه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم، سيدةٌ جليلة من سيدات بني هاشم، عُرفت بفضلها وكرمها، وقد شاركت زوجها في رعاية النبي ﷺ بعد وفاة جده عبد المطلب، فكانت له أمًّا حانية فتره في طفولته.
وحين أصاب قريشًا قحطٌ شديد أرهق الناس وأثقل كاهل أبي طالب، وكان كثير العيال محدود ذات اليد، بادر النبي ﷺ قبل البعثة إلى كفالة عليٍّ تخفيفًا عن عمّه، وردًّا لجميل البيت الذي نشأ في كنفه صغيرًا، وقد جسّدت هذه المبادرة خُلُق الوفاء الذي عُرف بها النبي ﷺ، وحرصه على مكافأة الإحسان بالإحسان، وهو القائل: {ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه، إلا أبا بكر}.
وقصد النبي ﷺ عمَّه العباس بن عبد المطلب وكان من أيسر بني هاشم وقال له:
{يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الشدة، فانطلق بنا إليه لنخفف عنه من بنيه آخذُ أنا واحدًا، وتأخذ أنت واحدًا، فنكفلهما عنه}.
فوافق العباس، وتوجها معًا إلى أبي طالب وعرضا عليه الأمر، فقال: (إذا تركتما لي عقيلًا وطالبًا فاصنعا ما شئتما)
فأخذ رسول الله ﷺ عليًّا فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فكفله، ومنذ تلك اللحظة، انتقل عليٌّ إلى بيت النبوة، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته في كنف النبي ﷺ.
انتقل سيدنا علي رضي الله عنه إلى بيت النبي ﷺ وهو في نحو السادسة من عمره، فكانت نشأته الحقيقية في كنف النبوة، حيث تفتّح وعيه في بيتٍ اشتهر بالصدق والأمانة وحسن السيرة بين الناس، وقد جمع في تكوينه المبكر بين موروثات السيادة الهاشمية التي تربّى عليها في بيت أبيه، والقيم الروحية والأخلاقية التي تشكّلت في بيت النبي ﷺ.
ومنذ دخول سيدنا علي بيت رسول الله ﷺ، كان ملازماً له طوال الوقت، فلم يفارقه إلا فيما يكلّفه به من مهام.. فكان قريبًا من النبي ﷺ في تفاصيل حياته اليومية، شاهدًا على أخلاقه، و تلميذا نجيبا في المدرسة النبوية.
تشرّب سيدنا عليٌّ قيم الإسلام منذ نعومة أظفاره، ونشأ في ظل الوحي قبل أن يشيع بين الناس، فلما دعاه النبي ﷺ إلى الإيمان لم يتردد، بل بادر بالتصديق، فكان من السابقين إلى الإسلام، وقيل إنه أول من أسلم من الصبيان، وكان آنذاك في نحو العاشرة من عمره فشبّ على التوحيد الخالص، وقد اختلفت الروايات في تحديد أول من أسلم على الإطلاق، غير أن الرأي الراجح عند جمهور أهل السِّيَر أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وظل سيدنا عليٌّ قريبًا من النبي ﷺ في مكة زهاء سبعة عشر عامًا.
ليلةُ الفداء والهجرة النبوية… عليٌّ ينام في فراش النبي ويؤدي الأمانات إلي أهلها :
عُرف سيدنا عليٌّ رضي الله عنه بالشجاعة والإقدام منذ صباه، وكان شديد المحبة لرسول الله ﷺ، فلم يتردد وهو فتىً في مقتبل العمر في أن ينام في فراش النبي ﷺ، ليلة الهجرة، حين أحاط المشركون بالبيت متربصين به ليقتلوه.
كان يدرك حجم الخطر، ومع ذلك آثر سلامة النبي ﷺ على نفسه، في موقفٍ خلّده التاريخ شاهدًا على إيمانٍ لا يتزعزع، وبقي عليٌّ في مكة بأمرٍ من رسول الله ﷺ بعد خروجه، ليردّ إلى أهلها ودائعهم التي كانوا يستأمنون عليها النبي، رغم عداوتهم له، في صورةٍ تعكس عظمة الأمانة التي قامت عليها الدعوة الإسلامية وأخلاق سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم كما تولّى إخراج نساء أهل البيت إلى المدينة بأمان.
ثم خرج مهاجرًا، يسير ليلًا ويتخفّى نهارًا، قاطعًا الطريق في ظروف شاقة، حتى بلغ المدينة منهكًا من طول المسير، فلما بلغ النبي ﷺ خبر وصوله، قيل له إن عليًّا قد أجهده المشي، فأتاه مسرعًا، واعتنقه متأثرًا لما رأى بقدميه من تورّمٍ وإرهاق، فمسح عليهما بيده الشريفة ودعا له، فبرئتا بإذن الله، ولم يُعرف عنه بعد ذلك شكوى منهما حتى لقي ربه شهيدًا.
لقد كانت الهجرة في سيرة سيدنا عليٍّ فصلًا من فصول التضحية العظيمه والايثار، حيث امتزجت الشجاعة بالأمانة، والإيمان بالفعل، لا بالقول وحده
زواجه من السيدة فاطمة الزهراء:
توالى عدد من الصحابة لخطبة سيدة نساء الجنة فاطمة الزهراء بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وفيهم أبو بكر وعمر، غير أن النبي ﷺ ردهم جميعا لصغر سنها، حتى تقدم لخطبتها علي بن أبي طالب فزوجها منه بعد معركة بدر (السنة الثانية للهجرة) وكان عمرها حينذاك 15 سنة بينما كان عمر علي 25 سنة.
لم يتزوج سيدنا علي على السيدة فاطمة في حياتها رغم من أن التعدد كان منتشرا في عهد الصحابة، وقد كان الواحد منهم يجمع أكثر من امرأة في ذمته، غير أن كرامة بنت النبي ﷺ منعته من ذلك، ولما عزم بعد فتح مكة على الزواج من ابنة أبي جهل منعه النبي ﷺ من ذلك إلا أن يطلق فاطمة، فعدل عن رأيه وثنى من عزمه.
وفي إحدى المرات غاضب سيدنا على زوجته أمنا فاطمة، وترك البيت وأوى إلى المسجد، ذهب إليه النبي ﷺ وكان مضطجعا قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عنه ويقول: “قم أبا تراب، قم أبا تراب”.
أنجبت أمنا فاطمة له الحسن والحسين، ومنها رضي الله عنها امتد نسل النبي ﷺ دون غيرها من أبنائه وبناته.
بعد وفاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ، تزوّج الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه من خَولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، من بني حنيفة وقد أنجبت له ولدًا سمّاه محمدًا، غير أنّ الناس أرادوا التمييز بينه وبين أبناء فاطمة رضي الله عنها، فأطلقوا عليه لقبًا لازمه طوال حياته، وهو محمد بن الحنفية رضي الله عنه.
وكان محمد بن الحنفية أصغر من أخويه الحسن والحسين بنحو عشرة أعوام، لكنه نشأ على نهج أبيه في الشجاعة والبأس وقوة العزيمة وقد عُرف بالفروسية والصلابة، حتى إن الإمام علي رضي الله عنه كان يدفع به إلى ميادين القتال والمواقف العصيبة، ثقةً بشجاعته وقوة شكيمته.
علي بن أبي طالب… بطل بدر وخيبر والخندق وصاحب الراية التي لا تسقط:
كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أحد أبرز فرسان الإسلام في عهد النبوة، شجاعته لم تكن اندفاعًا، بل كانت مقرونة بالحكمة وضبط النفس.
شارك سيدنا علي في معظم الغزوات التي خاضها النبي ﷺ، مجسّدًا نموذج المقاتل المؤمن الذي يجمع بين الشجاعة والإخلاص والولاء، ولم يتخلّف عن أي غزوة تقريبًا، باستثناء غزوة تبوك، حين استخلفه النبي ﷺ على المدينة في غيابه وعندما حاول المنافقون إثارة الشبهات حول هذا القرار، لحق عليّ بالنبي يسأله عن سبب إبقائه، فقال له النبي ﷺ كلمته الخالدة:
“أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟”.. فاطمأن عليّ وقال: رضيتُ يا رسول الله.
وقد برز سيدنا عليّ منذ غزوة بدر الكبرى، حين كان من بين الثلاثة الذين خرجوا لمبارزة قادة قريش في بداية المعركة، في موقفٍ كشف عن بأسه المبكر في الدفاع عن الإسلام، وفي غزوة أحد، حمل الراية بعد استشهاد الصحابي مصعب بن عمير، وكان من القلة التي ثبتت إلى جوار النبي ﷺ حين اضطربت صفوف المسلمين.
أما في غزوة الخندق، فقد سطّر واحدًا من أشهر مواقفه البطولية حين خرج لمبارزة الفارس الشهير عمرو بن عبد ودّ، الذي كانت العرب تعدّه بألف فارس، فتمكن عليّ من قتله بعد مبارزة حاسمة أصبحت من المواقف الخالدة في تاريخ الفروسية الإسلامية.
وفي صلح الحديبية، ظهر جانب آخر من شخصية عليّ، لا يرتبط بالسيف بل بالأدب والوفاء، فقد كان من كتّاب الوحي، وكاتب وثيقة الصلح بين المسلمين وقريش وعندما كتب في صدرها: “محمد رسول الله“، اعترض ممثلو قريش وطلبوا حذفها، فأمره النبي ﷺ بمحوها، لكن عليّ تردد أدبًا ومحبةً للنبي قائلاً: “والله لا أمحوك أبدًا”، فمحاها النبي ﷺ بيده الشريفة.
وجاءت غزوة خيبر لتخلّد اسمه أكثر في سجل البطولة الإسلامية فبعد أن استعصت حصون خيبر على المسلمين أيامًا، قال النبي ﷺ:
“لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه”.
فتطلع الصحابة جميعًا لهذه المنزلة، وفي اليوم التالي دعا النبي ﷺ عليًّا، وكان يعاني من ألمٍ في عينيه، فمسح النبي عليهما ودعا له فبرئتا في الحال، ثم سلّمه الراية، وفي المعركة واجه عليّ أشهر فرسان خيبر مرحب اليهودي، فقتله في مبارزةٍ حاسمة مهّدت لفتح الحصون.
ولم يقتصر دور عليّ على ساحات القتال؛ ففي العام التاسع للهجرة بعثه النبي ﷺ بسورة براءة (التوبة) ليبلغها للناس في موسم الحج، مؤكدًا انتهاء عهد الشرك في الجزيرة العربية، كما أرسله إلى اليمن داعيًا إلى الإسلام، فاستجاب له قوم همدان سريعًا، حتى سجد النبي ﷺ شكرًا لله حين بلغه خبر إسلامهم.
وفي حجة الوداع رافق عليّ النبي ﷺ، وشارك في شعائر الحج، وكان معه من الهدي ما نحره مع رسول الله ﷺ، في ختام مرحلة تاريخية من الدعوة شهد فيها عليّ معظم فصولها، مقاتلًا وداعيةً وكاتبًا للوحي.
علمه وحكمته
كان لطول ملازمة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لرسول الله ﷺ أثرٌ بالغ في تكوينه العلمي والروحي، فقد نشأ في كنف النبوة وتربّى في مدرسة الوحي، فاجتمع له العلم الغزير والفهم العميق وقد وصف نفسه بقوله إن الله وهبه قلبًا عقولًا ولسانًا سؤولًا، فكان شديد الحرص على التعلم والسؤال واستيعاب دقائق العلم.
روى سيدنا عليّ رضي الله عنه عن النبي ﷺ قرابة ستمائة حديث، وهو عدد يفوق ما رُوي عن الخلفاء الراشدين الثلاثة الآخرين مجتمعين، كما روى عنه عدد كبير من الصحابة والتابعين، فكان أحد أبرز رواة الحديث ومصادر المعرفة في صدر الإسلام.
وقد تلقّى القرآن الكريم عن النبي ﷺ مباشرة، فقرأه عليه وحفظه في حياته، حتى قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي وهو ممن عرضوا القرآن على سيدنا علي: “ما رأيت أحدًا كان أقرأ من علي”.
كما عُرف باهتمامه العميق بتفسير القرآن الكريم وفهم معانيه، حتى نُقل عنه قوله: “سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل”.
ولذلك امتلأت كتب التفسير بـ مروياته وآراؤه في بيان معاني القرآن وتأويله.
يُعدّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من كبار فقهاء الإسلام، وكان من الصحابة الذين أفتوا في حياة النبي ﷺ.
وقد روى عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “أقرؤنا أُبيّ بن كعب، وأقضانا علي”، بينما قال عبد الله بن مسعود: “كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب”.
وقد بعثه النبي ﷺ إلى اليمن داعيًا وقاضيًا، لما عُرف عنه من علمٍ وعدلٍ ورجاحة عقل.
فصاحته وبلاغته:
اتفق الأدباء والبلاغيون على أن عليّ بن أبي طالب علمٌ من أعلام البلاغة وإمامٌ من أئمة الفصاحة في العربية وقد صقل أسلوبه الخطابي تشبّعه العميق بلغة القرآن الكريم وبيان النبي ﷺ، إلى جانب سليقته العربية الأصيلة التي ارتوت من فصاحة العرب وبلاغة أهل مكة، وكان كثيرًا ما يضمّن في خطبه وكلماته التعبير القرآني واللفظ النبوي والمثل العربي البليغ، حتى غدا تراثه الأدبي مصدر إلهام لطلاب الأدب والبلاغة عبر العصور، ومن أبلغ مواعظه ما قاله بعد أن صلى بالناس الفجر متذكّرًا أصحاب رسول الله ﷺ:
“لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ، فما أرى أحدًا يشبههم اليوم، لقد كانوا يصبحون شُعثًا غُبرًا صُفرًا، بين أعينهم مثل رُكَب المِعزى، قد باتوا لله سُجّدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا و ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، وهملت أعينهم حتى تبلّ والله ثيابهم”.
ورغم هذه المكانة العلمية والبلاغية الرفيعة، عاش عليّ رضي الله عنه حياة زهدٍ وتقشّف، يشارك الناس طعامهم ويلبس من أبسط الثياب، وكان يرى الدنيا أهون من أن تشغله عن الحق، حتى قال:
{ألا وإن دنياكم هذه أهون عندي من ورقة في فم جرادة}.
كان سيدنا علي قريبًا من الفقراء، شديد الحرص على إقامة العدل، رقيق القلب، عظيم التواضع، ممتلئًا بخشية الله، فاجتمعت في شخصيته ملامح العالم الزاهد، والفارس الشجاع، والحاكم العادل.
خلافته كانت في زمن اشتداد الفتن:
تُعدّ شخصية عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من أكثر شخصيات الصحابة التي تعرّضت عبر التاريخ للتأويلات المتباينة والتصورات المتناقضة؛ فقد نُسبت إليه أقوال ومواقف لم تثبت عنه، وتداولت بعض الروايات مبالغات وأخبارًا لا تقوم على سند صحيح ولا دليل معتبر.
ومن بين ما أُلصق بسيرته ادعاءات حول الوصية له بالخلافة أو كونه وارثًا لعلم النبوة على وجهٍ مخصوص، فضلًا عن عباراتٍ منسوبة إليه لم تثبت في المصادر الموثوقة. وقد اتفق المحققون من علماء التاريخ والحديث على ضرورة التعامل مع تلك الروايات بميزان النقد العلمي والتحقيق التاريخي.
أما على صعيد الأحداث، فما إن استُشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه حتى وجد المسلمون أنفسهم أمام فراغٍ سياسي خطير في لحظةٍ كانت فيها الدولة الإسلامية تمر بواحدة من أشد مراحلها اضطرابًا، وفي خضم تلك الأجواء المتوترة، توجّه كبار الصحابة وأهل المدينة إلى عليّ رضي الله عنه يطلبون منه تولّي الخلافة، إدراكًا لمكانته العلمية ومكانته بين المسلمين.
غير أن عليًّا لم يُقبل على هذا الأمر رغبةً في السلطان، بل حاول الاعتذار والتنصل منه، إدراكًا لحجم التحديات التي تحيط به، ولما ألحّ عليه الصحابة، أحال أمر البيعة إلى أهل السابقة من المهاجرين والأنصار، فدفعوه إلى تحمّل المسؤولية واشترط أن تتم البيعة علنًا في المسجد النبوي و أمام عامة المسلمين، تأكيدًا لمبدأ الشورى وحرصًا على وضوح الموقف أمام الناس.
وبالفعل، اجتمع أهل المدينة في المسجد النبوي وبايعوه خليفة للمسلمين، وذلك في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35 هـ وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قد أشار بأن تتم البيعة في مكانٍ أكثر خصوصية، خشية أن يثير الثائرون على عثمان اضطرابًا في المدينة، إذ كانوا لا يزالون منتشرين في أحيائها بعد الأحداث التي سبقت مقتل الخليفة. غير أن عليًّا فضّل أن تكون البيعة علنية، لتكون على مرأى ومسمع من المسلمين جميعًا.
قيادة الدولة في زمن الفتنة الكبرى:
تولّى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه مقاليد الخلافة في ظرفٍ بالغ التعقيد، إذ كانت الدولة الإسلامية تمر بواحدة من أعنف الفتن في تاريخها، بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد وجد نفسه أمام واقعٍ سياسي واجتماعي مضطرب، في وقتٍ كانت فيه الأمة منقسمة الرأي حول ترتيب الأولويات بين تثبيت الحكم الجديد والقصاص من قتلة عثمان، ففي حين بايعه عدد كبير من المسلمين، رفضت فئاتٌ أخرى في بعض الأمصار إعلان البيعة قبل الاقتصاص من قتلة عثمان، معتبرة أن تحقيق العدالة والقصاص هو الخطوة الأولى التي ينبغي أن تسبق تثبيت السلطة الجديدة.
وقد أشار بعض المؤرخين، ومنهم ابن حزم، إلى أن عدد من امتنعوا عن البيعة كان كبيرًا، حتى قُدِّر بما يقارب عدد من بايعوا عليًّا، أي ما يناهز مائة ألف مسلم، وبذلك أصبح سيدنا عليّ رضي الله عنه أول خليفة في تاريخ الخلافة الراشدة لا ينعقد الإجماع الكامل على بيعته كما حدث مع من سبقه من الخلفاء الثلاثة: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، وقد لخّص ابن تيمية حال المسلمين في عهده بقوله: [كان الناس على عهد علي ثلاثة أصناف: صنفٌ قاتلوا معه، وصنفٌ قاتلوه، وصنفٌ اعتزلوا القتال فلم يقاتلوا معه ولم يقاتلوه].
وزادت الأزمة تعقيدًا لأن قتلة عثمان كانوا يشكّلون قوة مؤثرة تمتلك شوكةً ونفوذًا، خاصة بعد انتقال علي رضي الله عنه بعاصمة الخلافة إلى الكوفة، حيث تمركزت تلك الفئات بين قبائلها وأنصارها، وتغلغلت في صفوف المؤيدين له، مما منحها حضورًا واضحًا في المشهد السياسي، ونتيجة لذلك أصبح من الصعب على عليّ أو غيره كسر شوكتهم سريعًا أو حسم الأمر دون أن تتفاقم الفتنة وتتسع دائرتها.
انقسام الأمة الإسلامية في عهد علي بن أبي طالب:
أسفر الخلاف الذي أعقب مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه عن تصدّعٍ عميق في النسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع الإسلامي، لا سيما في المدينة المنورة وما حولها، وقد زاد من تعقيد المشهد اعتزال عددٍ من كبار الصحابة العمل السياسي، إذ رأوا في تلك الأحداث فتنةً ينبغي تجنّب الخوض فيها، ومن أبرزهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم.
وقد أدّى هذا الانقسام إلى تفرّق القوى العسكرية للمسلمين في الأمصار، بعد أن كانت موحّدة تحت رايةٍ واحدة، الأمر الذي أضعف القدرة على حسم الخلاف سريعًا لو بقيت تلك القوى مجتمعة.
أبرز الأمصار في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
الكوفة
كانت عاصمة الدولة خلال خلافة علي رضي الله عنه بعد انتقاله إليها من المدينة المنورة، وكانت مركز سياسي وعسكري وإداري، وجيش العراق (الموالي لعلي) كان يتمركز فيه.
البصرة
كانت البصرة من أكبر المدن في العراق، وكانت مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا مهمًا، كانت تمثل القوة العسكرية فيها، لكنها شهدت تمردًا على خلافة علي خلال فتنة الجمل بقيادة طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنها.
المدينة المنورة
كانت تمثل مركز دعوة النبي ﷺ ومقر الحكم الإسلامي قبل الكوفة، ومدينة رمزية ودينية كبيرة، ومركز اتخاذ القرارات المهمة.
الشام
كانت منطقة استراتيجية وسياسية واقتصادية، ومركز قوة معاوية بن أبي سفيان والي الشام، ورفض البيعة لعلي مما أدى لاحقًا إلى معركة صفين.
مصر
كانت مصدر اقتصادي وعسكري هام للدولة الإسلامية.، وكانت في حاجة إلى إدارة قوية لضمان ولاء الجيش وأهلها للخليفة.
الحجاز (مكة والمدينة والمدينة الأخرى)
مركز روحي وديني (الحرم المكي والمسجد النبوي)، وكان تأمين الحجاز ضروريًا للحفاظ على وحدة المسلمين ومقدساتهم.
اليمن
كانت بمثابة منطقة استراتيجية جنوب الجزيرة العربية، ومركز قوة عسكرية وثروات، وأرسل إليها سيدنا علي واليًا لأخذ البيعة وإدارة شؤون المسلمين.
خراسان
كانت منطقة واسعة شمال شرق الدولة الإسلامية (إيران وأجزاء من أفغانستان حاليًا)، وتعد أيضا مركز عسكري واقتصادي مهم، لكنه ابتعد عن السيطرة المباشرة لسيدنا علي بسبب بعد المسافة ونفوذ السكان المحليين.
هذه الأمصار كانت تمثل هيكل الدولة الإسلامية في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكل منها أهمية سياسية، وعسكرية، واقتصادية، وقد لعبت جميعها دورًا في الصراعات والفتن التي شهدها عصره.
ومع اتساع دائرة الاضطراب، بدأت سلطة الخليفة عليّ رضي الله عنه تتقلّص تدريجيًا في عددٍ من الولايات، بعد أن اضطربت عليه الشام واليمن والحجاز ومصر، وخرجت البصرة وخراسان من نطاق نفوذه، حتى انحصر حكمه فعليًا في الكوفة وما حولها بعد انتقاله إليها واتخاذها مقرًا للخلافة.
وقد اندلعت شرارة الفتن الكبرى من حادثة مقتل عثمان، فامتدّ أثرها ليطغى على كامل فترة خلافة سيدنا عليّ رضي الله عنه، فقد تفرّق الصحابة وتباينت آراؤهم تحت وطأة تلك الأحداث إذ رأى فريقٌ ضرورة المسارعة إلى الاقتصاص من قتلة عثمان، رغم أنهم كانوا قد بايعوا عليًّا بالخلافة وكان الخلاف بينهم وبين الخليفة في توقيت القصاص، فعليٌّ كان يرى ضرورة تثبيت أركان الدولة وبسط سلطانه أولًا، حتى يتمكن من إقامة العدل وتنفيذ القصاص في إطارٍ من الاستقرار، بينما رأى الفريق الآخر أن تحقيق القصاص ينبغي أن يسبق ذلك لتهدئة النفوس وإرضاء أولياء الدم من بني أمية.
وكان على رأس هذا الفريق الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، الذين خرجوا من المدينة إلى مكة، ثم اتجهوا إلى البصرة أملاً في جمع الأنصار ومواجهة الفئات التي شاركت في قتل عثمان وكان لها تأثير في القرار السياسي آنذاك.
وفي المقابل، كان معاوية بن أبي سفيان والي الشام وأحد أقرباء عثمان قد امتنع عن مبايعة علي حتى يتم الاقتصاص من قتلة الخليفة المقتول.
وقد تحرّك علي رضي الله عنه في البداية نحو الشام لمناقشة الأمر معه، غير أن وصول أخبار تحرك طلحة والزبير وعائشة نحو البصرة دفعه إلى تغيير وجهته، فسار إليها سعيًا إلى الإصلاح ومنع تفاقم النزاع.
وخاطب أهل الكوفة حين استنفرهم للخروج معه قائلاً:
“إنما دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن رجعوا فذاك ما نريد، وإن أصرّوا عالجنا الأمر بالرفق، ولن نختار إلا ما فيه صلاح المسلمين.”
وأرسل عليٌّ الصحابي القعقاع بن عمرو إلى طلحة والزبير يدعوهما إلى الصلح ووحدة الصف، فلاقى مسعاه قبولًا لدى الطرفين، وكادت جهود المصالحة أن تؤتي ثمارها غير أن عناصر من قتلة عثمان الذين اندسّوا في صفوف الجيشين خشوا أن يؤدي الصلح إلى تمكين الخليفة من إقامة القصاص عليهم، فبادروا بإشعال القتال سرًا، فاندلعت وقعة الجمل دون رغبةٍ حقيقية من قادة الطرفين، كما أشار إلى ذلك عدد من المؤرخين.
ولم تكد نار تلك الفتنة تخمد حتى اشتعلت أزمة أخرى في الشام، حيث التقى جيش علي وجيش معاوية في معركة صفّين سنة 37 هـ، واستمر القتال أيامًا متتابعة، حتى بدا أن الكفة تميل لجيش العراق، فرفع جيش الشام المصاحف على أسنّة الرماح داعيًا إلى تحكيم كتاب الله بين الفريقين، فقبل عليّ رضي الله عنه بذلك حرصًا على حقن الدماء.
واتفق الطرفان على التحكيم، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، بينما اختار أهل الشام عمرو بن العاص ممثلين عنهما للنظر في إنهاء النزاع وقد تقرر تأجيل البتّ في الأمر عدة أشهر لتهدأ النفوس ويُنظر في عواقب الخلاف، إلا أن الاجتماع الذي عُقد لاحقًا في دومة الجندل لم يفضِ إلى حلٍّ حاسم، وبقيت الأوضاع السياسية على ما كانت عليه، فاستمرت العراق والحجاز تحت حكم علي، بينما بقيت الشام تحت سلطة معاوية.
غير أن أخطر ما نتج عن واقعة التحكيم كان ظهور انقسامٍ جديد داخل جيش علي نفسه، إذ رفضت جماعة من أنصاره نتائج التحكيم، وخرجت عليه فئة عُرفت لاحقًا باسم الخوارج، رافعين شعارهم الشهير: [لا حكم إلا لله]. وقد ردّ عليهم علي بقوله: [كلمة حق أريد بها باطل].
حاول علي رضي الله عنه معالجة هذا الانقسام بالحوار، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس لـ مناظرتهم، فعاد عدد كبير منهم إلى الجماعة، بينما بقي آخرون على موقفهم، واجتمعوا في النهروان وأخذوا يثيرون الاضطرابات ويقطعون الطريق، وبعد أن تفاقم خطرهم، اضطر علي إلى مواجهتهم عسكريًا سنة 38 هـ، فدارت معركة النهروان التي انتهت بهزيمتهم وتفرقهم، ولم ينجُ منهم إلا القليل.
وهكذا ظلّت خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه محاطة بسلسلةٍ من الفتن والاضطرابات التي شكّلت واحدة من أعقد المراحل في التاريخ الإسلامي المبكر، حيث تداخلت فيها السياسة بالدين، والاجتهاد بالاختلاف، في زمنٍ كان الجميع يسعى فيه كلٌ بحسب اجتهاده إلى ما يراه أقرب إلى مصلحة الأمة ووحدتها.
استشهاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
امتدت خلافة علي رضي الله عنه أربع سنوات وتسعة أشهر، واستشهد عن عمر يناهز الثالثة والستين في شهر رمضان عام 40 هـ، على يد عبد الرحمن بن ملجم، أحد الخوارج الذين تآمروا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص انتقامًا لقتلى فتنتهم.
تحرك ابن ملجم إلى الكوفة لتنفيذ مخططه، فترصّد لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه في المكان الذي كان يخرج منه عادة عند الفجر لإيقاظ الناس للصلاة، وعندما خرج علي رضي الله عنه ينادي: {الصلاة، الصلاة}، انقضّ عليه ابن ملجم وضربه بسيفه، فأصاب جبهته وأسال دمه الشريف على لحيته.

نبذه عن الكاتب:
ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في الأخبار الفنية والثقافية، أجرت حوارات صحفية مع نخبة من أبرز نجوم الفن في الوطن العربي، وتشغل حاليًا منصب مساعد رئيس التحرير ورئيس قسم الفن بمؤسسة [اليوم للإعلام] التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، والتي تضم عددًا من الإصدارات الصحفية، من بينها جريدة أسرار المشاهير، اليوم الدولي، أخبار مصر 24، وجريدة تريندات العالم في جمهورية مصر العربية.
انطلقت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية،عبر جريدة [إبداع] في الرياض، قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، من بينها جريدة [الثائر] وجريدة [المغرد] في لبنان، وجريدة [النهار] في المغرب، ومجلة [النهار] في العراق، ومجلة [المحور] في الكويت.
كتبت ريهام طارق أيضا في مجال السياسة الدولية وأسواق المال الأمريكية والأوروبية، كما شغلت عضوية اللجنة الإعلامية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتعمل حاليًا على تقديم محاضرات متخصصة في الصحافة بمدينة مسقط سلطنة عمان.
