«عين سحرية» فى رمضان 2026… دراما ترصد أنين الطبقة الوسطى وصراعها مع «الحيتان»

0

«عين سحرية» فى رمضان 2026… دراما ترصد أنين الطبقة الوسطى وصراعها مع «الحيتان»

عندما تتحول الحكاية إلى مرآة لوجع اجتماعي

بقلم _ أمجد زاهر

في موسم رمضان 2026، لم يكن مسلسل «عين سحرية» مجرد عمل تشويقي عن كاميرات المراقبة وأسرار تُلتقط خلسة، بل جاء كعمل اجتماعي عميق يضع الطبقة الوسطى المصرية في قلب المعادلة الدرامية، ويطرح سؤالاً مؤرقاً: كيف تعيش هذه الطبقة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة؟ وهل تملك رفاهية الانسحاب… أم أنها محكومة بالاستمرار مهما كان الثمن؟

المسلسل، الذي تقوم فكرته على معالجة إنسانية للصراع بين المراقِب والمُراقَب، سرعان ما يكشف أن عدسته الحقيقية موجهة نحو واقع الطبقة المتوسطة، تلك الفئة المنهكة التي لا تسقط تماماً… لكنها لا ترتاح أبداً.


زكي غالب… امتداد لرجل خسر الكثير

يقدم الفنان باسم سمرة واحداً من أكثر أدواره تركيباً ونضجاً في شخصية «زكي غالب». شخصية تحمل ملامح رجل كان ذات يوم مدافعاً شرساً عن البسطاء، لكنه دفع ثمناً باهظاً لمواقفه.

هناك إحساس واضح بأن «زكي» هو امتداد لرجال كثيرين عرفناهم في الدراما، لكن بعد أن أنهكتهم الخسارات وجعلتهم أكثر قسوة وصرامة.

في الحلقتين 12 و13 تحديداً، يبلغ الأداء ذروته، خاصة في مشهد مواجهته مع ابنته وزوجته.

تحولات الوجه، نبرة الصوت، الصمت بين الجمل… كلها عناصر صنعت لحظة درامية كثيفة تكشف رجلاً تمزقه التناقضات بين ما كان يؤمن به وما اضطر أن يكونه.


عادل… نموذج الإنسان العالق في المنطقة الرمادية

على الجانب الآخر، يجسد عصام عمر شخصية «عادل»، فني كاميرات المراقبة الذي يعيش تحت ضغط العمل وقسوة الظروف.

شقة بإيجار قديم، صاحب عقار يضغط بلا هوادة، ومصاريف لا ترحم. عادل ليس بطلاً خارقاً، بل رجل عادي تحاصره الحياة من كل اتجاه.

من خلاله يطرح العمل سؤالاً محورياً: ماذا يفعل الإنسان حين يجد نفسه محاصراً؟ هل يتمسك بالمبادئ حتى النهاية، أم ينزلق خطوة صغيرة إلى المنطقة الرمادية ليحمي نفسه؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بخطابة مباشرة، بل تتسلل عبر الأحداث، لتجعل المشاهد شريكاً في الحيرة.


صراع الطبقة الوسطى مع «الحيتان»

المسلسل يرسم بوضوح خريطة صراع بين طبقة متوسطة «مكمّلة غصب عنها» لأنها لا تملك بديلاً، وبين قوى نافذة يمكن وصفها بـ«الحيتان»؛ أصحاب مصالح كبرى يراكمون الأرباح بينما تتحمل الفئة المتوسطة فاتورة الأزمات.

لكن العمل لا يقدم الصراع بصورة نمطية، بل يؤكد أن الاحتكاك حتمي. فالحيتان، مهما حاولت الاختباء، تحتاج إلى الناس لتستمر، ما يجعل المواجهة قدراً مؤجلاً لا مهرب منه.

وهنا تتجلى قوة البناء الدرامي الذي يعتمد على تصاعد التوتر النفسي، لا على الصدام المباشر فقط.


رؤية إخراجية تعيد تعريف التشويق

يُحسب للمخرج السدير مسعود أنه لم يتعامل مع العمل كحكاية تقنية عن كاميرات وتنصت، بل كمساحة فلسفية تسائل فكرة المراقبة ذاتها. الكاميرا في «عين سحرية» ليست مجرد أداة تصوير، بل كأنها «ضمير» يراقب الجميع.

يعتمد مسعود على بناء توتر بطيء، يتسلل إلى المشاهد تدريجياً، مع توظيف ذكي للفراغات البصرية والإضاءة، ليجعل كل مشهد قطعة دومينو تسقط الأخرى. فلا مطاردات صاخبة بلا معنى، ولا صراخ مجاني، بل هندسة دقيقة للترقب.


نص يوازن بين الفكرة والإنسان

العمل فكرة لانا الجندي، وسيناريو وحوار هشام هلال، وقد نجح النص في تحويل فكرة مألوفة – المراقبة والتجسس – إلى معالجة اجتماعية تمس تفاصيل الحياة اليومية.

لا يكتفي المسلسل بطرح سؤال: «من يراقب من؟»، بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث حين يشعر الإنسان أن حياته كلها تحت الاختبار؟ وهل العدالة ممكنة في عالم مختل التوازن؟

 


«عين سحرية»… دراما تكتب شهادة على زمن مضطرب

في النهاية، يثبت «عين سحرية» أن الدراما حين تُصنع بوعي اجتماعي وفني، يمكن أن تتحول إلى وثيقة غير مباشرة عن عصر بأكمله. إنه عمل لا يكتفي بإمتاع المشاهد، بل يدفعه للتفكير في موقعه داخل هذا الصراع: هل هو مراقِب يظن أنه في أمان… أم مُراقَب ينتظر لحظة الانكشاف؟

مسلسل يعري الواقع بهدوء، ويؤكد أن الطبقة الوسطى، رغم إنهاكها، ما زالت تقاوم… لأنها ببساطة لا تملك خياراً آخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.