فريدة فهمى سيدة الرقص التي حوّلت الفن الشعبي إلى لغة عالمية

0

فريدة فهمى سيدة الرقص التي حوّلت الفن الشعبي إلى لغة عالمية

فريدة فهمي لم تكن مجرد راقصة تقف على خشبة المسرح،
بل كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، ووعيًا فنيًا سابقًا لعصره. امرأة قررت أن تُنقذ الرقص الشعبي المصري من التهميش، وتنقله من حدود الفلكلور المحلي إلى مسارح العالم، بعلم ودراسة وانضباط وجمال لا يبتذل الفن ولا يفرغه من معناه.

كتبت / داليا حسام

النشأة والتعليم

وُلدت فريدة فهمي عام 1940 في القاهرة، داخل أسرة تؤمن بالعلم والثقافة. كان والدها الدكتور محمد فهمي أستاذًا جامعيًا، ما وفر لها بيئة تُقدّر المعرفة والالتزام.
درست فريدة في مدارس أجنبية، ثم التحقت بـجامعة القاهرة، حيث حصلت على ليسانس الآداب – قسم اللغة الإنجليزية، وهو ما انعكس لاحقًا على قدرتها على تمثيل الثقافة المصرية أمام العالم بثقة ووعي.


ولم يكن اهتمامها بالفن وليد الصدفة؛ فقد درست الباليه والرقص الحديث منذ صغرها، ما منحها أساسًا أكاديميًا صارمًا، ظهر بوضوح في أدائها المختلف عن أي راقصة شعبية سبقتها.

اللقاء المفصلي: فرقة رضا

كان اللقاء الأهم في حياة فريدة فهمي هو لقاؤها بـمحمود رضا وعلي إسماعيل، مؤسسي فرقة رضا للفنون الشعبية عام 1959.
داخل هذه الفرقة، لم تكن فريدة مجرد راقصة أولى، بل كانت الوجه والروح والذاكرة البصرية للفرقة. أداؤها اعتمد على:
التكنيك العالي
التعبير الدرامي
الالتزام الحركي
احترام التراث دون تشويهه


قدّمت فريدة من خلال الفرقة عشرات اللوحات المستوحاة من البيئات المصرية المختلفة: الصعيد، النوبة، الريف، السواحل، والواحات، وكلها قُدمت بروح معاصرة دون المساس بجذورها.

الرقص كعلم لا استعراض

تميّزت فريدة فهمي بأنها تعاملت مع الرقص باعتباره علمًا وفلسفة وثقافة، لا مجرد استعراض جسدي. كانت ترى أن الراقص الشعبي هو “مؤرخ بالجسد”، ينقل حكايات الناس وحياتهم اليومية عبر الحركة.
ولهذا السبب، كانت حركاتها:
منضبطة وليست مرتجلة
معبّرة وليست مبتذلة
أنثوية دون إغراء
قوية دون خشونة
وهو ما جعلها تحظى باحترام المثقفين قبل الجمهور.

السينما والتجربة الفنية


شاركت فريدة فهمي في عدد محدود من الأفلام السينمائية، جميعها مرتبطة بتجربة فرقة رضا، من أبرزها:
إجازة نصف السنة (1962)
غرام في الكرنك (1967)
حرامي الورقة (1970)
لم تسعَ فريدة للنجومية السينمائية التقليدية، وظل المسرح هو مساحتها الحقيقية، حيث الفن الحي والالتزام الجماعي.

الاعتزال والتحول الفكري

في أواخر السبعينيات، قررت فريدة فهمي الاعتزال، في ذروة نضجها الفني، وهو قرار نادر في الوسط الفني. بعدها، اتجهت إلى الدراسة والبحث، وحصلت على درجة الماجستير ثم الدكتوراه في علم الحركة (Kinetics) من جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة.
كرّست سنوات طويلة للكتابة والبحث والتدريس، وأصدرت كتابها المهم: “الرقص… تاريخ وحركة”


الذي يُعد مرجعًا مهمًا في فهم الرقص كظاهرة ثقافية وإنسانية.

التكريم والمكانة

حصلت فريدة فهمي على العديد من الجوائز والتكريمات داخل مصر وخارجها، تقديرًا لدورها في:
حفظ التراث الشعبي
تقديم صورة مشرفة للفن المصري
الربط بين الفن والعلم
وتُعد حتى اليوم أيقونة ثقافية، لا راقصة فقط، بل نموذجًا للمرأة المثقفة التي اختارت طريقها بوعي واحترام للذات.

فريدة فهمي لم ترقص لتُرى، بل رقصت لتُفهم.
لم تصنع مجدها بالضوء، بل بالمعرفة والانضباط والحب الصادق للفن. هي واحدة من القلائل الذين غيّروا نظرة المجتمع لفن كامل، وتركوا أثرًا لا يزول.


وحين نذكر اسمها اليوم، فإننا لا نستحضر مجرد تاريخ فني، بل درسًا في كيف يمكن للجمال أن يكون محترمًا، وللفن أن يكون رسالة، وللمرأة أن تكون قوة ناعمة لا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.