بقلم ريهام طارق
قرار شخصي جدًّا… كيف غيّر مسار حياتي؟
لم يكن القرار نتاج لحظة غضب عابرة أو ردّ فعل مؤقت، بل كانت مواجهة صريحة مع نفسي، اتخذت قراري هذا قبل خمسة أشهر، بعد فترة طويلة من المعاناة مع شعور خانق بالضيق، و ضغط نفسي متواصل، وتوتر وعصبية لا تشبه طبيعتي الهادئة التي اعتدت عليها.
توقّفت أمام نفسي وطرحت تلك الأسئلة التي نتهرّب منها غالبًا:
لماذا لم أعد أنام بشكل منتظم الأمر الذي كان من أكثر عاداتي استقرارًا؟ أين ذهب هدوئي؟ لماذا أصبحت عصبية بل عدوانية لهذا الحد، ولماذا أصبح نهاري مليئ بالقلق وليلي احتله الأرق رغم أنني بطبعي إنسانة متفائلة، أحب الحياة، والضحك هادئة، مليئة بالطاقة الإيجابية، أضحك بسهولة وأتفاعل مع من حولي بسلاسة، لكن شيئًا ما تغيّر…
ورغم كل محاولاتي لتجاهل الأمر، كان السبب واضح وصادم في آن واحد.. السبب لم يكن في الظروف ولا في الأشخاص… بل في شيء أبعد مما أتصور:
أتعلمون ما هو السبب؟
أنها السوشيال ميديا… نعم كان العالم الافتراضي هو السبب
صدمة اكتشاف السبب.. حينما يتحول الترفيه إلى إدمان و استنزاف للطاقة:
كنت أعتقد أن وجودي على مواقع التواصل الاجتماعي أمر طبيعي، ما هو إلا جزء من يومي، مجرد مساحة صغيرة للترفيه أو متابعة الأخبار، ومشاهدة مقاطع لا تتعدى ثواني معدودة ما بين كوميديا ، نصائح تنمية بشرية ، مطبخ ، حوادث ، مواقف كوميدية، تجميل، كلها تعرض معا بتسلسل سريع وتدخل في عقلي بشكل فوضوي و عشوائي، ومع كل يوم لم أدرك أن هذه المساحة الصغيرة أصبحت تتضخّم، وتلتهم وقتي، وتسرق طاقتي، وتؤثر على صحتي النفسية.
لأني لاحظت أن الضغط الذي أعيشه ليس سببه العمل أو العلاقات أو المسؤوليات…بل بسبب هذا الضجيج العشوائي الذي لا نراه ولا نشعر به وهو يتخلل بداخلنا وكأننا جهاز كمبيوتر تضغطه يوميا بحجم ضخم من المعلومات المختلفة، تنقلك من حالة إلى أخرى بشكل مفاجئ يحدث خلل في تركيزي وتشويش لعقلي ، ومؤثرا بشكل جنوني في تفكيري و حالتي المزاجية…
مقارنات لا تنتهي، أخبار ثقيلة، محتوى سلبي، أبواب لحياة الآخرين تفتح دون أي سبب أو فائدة حقيقية، غير المقارنة آلتي تقودك للشعور بالملل من نمط يومك أو عملك أو بيتك أو حتي شريك حياتك وهنا، اتخذت القرار الذي غيّر حياتي.
القرار الحاسم: عشر دقائق فقط
وضعت خطة واضحة وصارمة، تبدأ بأهم نقطة فيها:
الاستخدام اليومي لـ سوشيال ميديا لا يحتل أكثر من عشر دقائق فقط، يومي.. عشر دقائق للدخول ونشر عملي ثم الانسحاب ليس أكثر، لم يكن الأمر سهلًا في البداية، لكنه كان قرارا حاسماً وضروريًا، فحين نكشف شخصية من يسرق هدوءنا، وصفاء ارواحنا يصبح التخلي عنه مكسب وليست خسارة.
قررت أن أتوقف عن نشر أي تفاصيل تخص حياتي الشخصية: لا سفر، لا صور، لا لحظات خاصة تجمعني باسرتي أو اصدقائي، ليس لأنني أخفي شيئًا، او خوفا من الحسد فحسب، بل لأنني أدركت أن حياتي ليست سلعة للعرض، وأن علاقتي بنفسي وبمن أحبّ لا تحتاج عدد من الإعجاب أو تفاعلٍ من المتابعين، فهذا أمر شخصي فقط ، جاء قراري حماية لجزء جميل وغالي في حياتي… جزء لا يحتمل أعين الفضوليين ولا أجواء التحليل العقيمة من أشخاص لا أعرفهم ولا يعرفونني من الأساس.
إعادة بناء يومي والتخلص نهائيا من الفوضى:
وهنا بدأت خطتي.. قسّمت يومي من اللحظة التي أستيقظ فيها حتى أخلد للنوم، ساعه خاصه للمشي في الهواء الطلق ومع وجود مساحات خضراء و سماع درس ديني أو قصه لأحد الصحابه اثناء المشي، وبعد ذلك يبدا يومي ما بين بين عمل، وقراءة، ومشاهدة محتوى يحمل قيمة: محتوى علمي، ثقافي، ديني، أو كل ما يضيف إلى حياتي شيئًا جديدًا مفيداً، وفي المساء، وقبل ميعاد النوم بأربع ساعات، على الأقل خصصت لنفسي أقدس لحظات يومي: أولا بعدت عن المكالمات الهاتفية التي يمكن أن تنقل لي توتر أو طاقة سلبية في صورة من مشاحنات أو الاستماع الى مشاكل ، واستبدلت هذا بساعة لقراءة القرآن الكريم، مع التوقف عند آياته، أدوّن ما فهمته وما لمسته من حكمه أو درس جديد، ثم أقرأ كتاب أحبه، اسمع مقطوعه من الموسيقى الهادئه، كأنني أهيئ نفسي لنوم هادئ ومستقر.
دفتر صغير… وإنجازات كبيرة
في نهاية يومي أدوّن في دفتر صغير كل ما أنجزته خلال يومي:
معلومة جديدة اكتسبتها
جملة بلغة أخرى تعلمتها
آية قرآنية أثرت في نفسي
حكمة توقفت عند معناها
حلم صغير
موقف عشته وكان له تأثير خاص على نفسي
هدف أسبوعي اسعى لتحقيقه
هذا الدفتر كان بمثابة خريطة صغيرة تقودني نحو خلق نسخة أفضل من نفسي.
تدريب العقل… لعبة يومية أعادت لي صفاء ذهني:
ومن بين القرارات التي أحدثت فارقًا حقيقيًا في يومي، أن أخصّص وقتًا ثابتًا لممارسة لعبة تعتمد على التركيز الشديد والتفكير المنهجي، مثل الشطرنج الذي تحوّل بالنسبة إليّ إلى تمرين ذهني يومي يُعيد شحن عقلي، ويقوّي قدرتي على الانتباه، ويحرّرني من التشتّت الذي كانت تخلّفه السوشيال ميديا على مدار اليوم.
كانت تلك الدقائق القليلة كفيلة بإعادة ترتيب أفكاري، وإنعاش ذهني، ومع المواظبة عليها لاحظت تحسّنًا كبيرًا في سرعة البديهة، ودقة التركيز، أن العقل، تمامًا كالجسد، يحتاج إلى تدريب مستمر.
حين يصبح قرار شخصي جدا بداية جديدة:
بعد هذه الخطوات، تغيّر كل شيء: عاد نومي، عاد هدوئي، عادت قدرتي على التركيز، وبدأت استشعر قيمة اللحظات التي كنت أمرّ بها مرورًا عابرًا، بلا فائدة، أدركت أن التغيير لا يحتاج معجزات، بل يحتاج وقفة صادقة مع النفس وقرارًا شجاعًا لا نيّة فيه للتراجع عنه.
إن قراري الذي ظننته بسيطًا في بدايته، كان في الحقيقة نقطة التحوّل الأعمق في حياتي كلها، لقد تعلّمت أن الحياة لا تتغيّر حين تتبدّل الظروف، بل حين نتجرّأ نحن على تغيير أنفسنا، وأنّ أعظم انتصار قد يحرزه الإنسان هو أن يستعيد سيطرته على وقته، وراحته، وحدود قلبه وعقله.
قال الله تعالى
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
لقد أيقنت أن السلام الداخلي ليس هدية يمنحها العالم لنا، بل ثمرة نجنيها عندما نعزل ارواحنا عن البيئه الملوثه و المريضه لذلك، كان قراري الشخصي جدًّا ليس مجرد خطوة تنظيمية، قدر ما كان ثوره علي الفوضي التي كانت تملأ حياتي وإعلان ولاء وحب لنفسي قبل اي شيئ… لاصنع لنسخة أكثر وعيًا، وأكثر صلابة، وأكثر امتنانًا لكل ما هو حقيقي وباقي في حياتي.
واليوم، أصبحت أعلم أن حماية النفس ليست أنانية، بل هي أعلى درجات الحكمة… وأن كل قرار ينطلق من نبع احترام الذات، يصنع حياة تستحق أن تُعاش.
لقد كان القرار شخصيًا جدًّا…
لكنه كان أعظم هدية منحتها لنفسي.
ولأنني احترمت حدودي وخصوصيتي ووقتي…
أصبحت حياتي أحلي، أهدى وأفضل.

