لطفي لبيب… وداعًا للفنان الإنسان: ماركة الضحك الأصيلة وصوت الجدعنة المصرية
لطفي لبيب… وداعًا للفنان الإنسان: ماركة الضحك الأصيلة وصوت الجدعنة المصرية الخالصة
تقرير_أمجد زاهر
برحيل الفنان القدير “لطفي لبيب”، تطوى صفحة من صفحات الفن المصري الأصيل، ليس فقط لكونه واحدًا من أهم وجوه الكوميديا الدافئة، بل لأنه ظل على مدار عقود أيقونة للبساطة والجدعنة والشهامة التي عرفها المصريون جيدًا، واحتفظوا له بها في قلوبهم.
من الصعيد إلى كل بيت مصري، ومن مشهدٍ واحدٍ إلى نجومية استثنائية، شكّل لطفي لبيب حضورًا نادرًا في وجدان الجمهور، حتى أصبح اسمه مرادفًا للابتسامة التي لا تُنسى، والإفيهات التي صارت جزءًا من الذاكرة الشعبية.

من ببا إلى شاشات العالم.. حكاية صعيدي بالفطرة ومثقف بالاختيار
ولد “لطفي لبيب” في 18 أغسطس 1947 بمدينة “ببا” بمحافظة بني سويف، في قلب صعيد مصر، لأسرة بسيطة زرعت فيه القيم والانضباط.
تخرج من كلية الآداب جامعة الإسكندرية، ثم التحق بمعهد الفنون المسرحية، ليبدأ مسارًا فنيًا مختلفًا عن أقرانه، مسارًا تقوده التجربة لا الضجيج، والموهبة لا الادعاء.
خدم في الجيش المصري لمدة ست سنوات، ويُعد من الفنانين القلائل الذين عاشوا تجربة عسكرية كاملة، شكّلته نفسيًا وإنسانيًا، وغرست فيه روح الانضباط والالتزام.
وبعدها، سافر وعاد ليكمل حلمه دون ضجيج، حاملاً في جعبته “قيمة الصبر والعمل المتقن”.
“السفارة في العمارة”… نقطة التحول
رغم مشاركته في عشرات الأعمال قبلها، إلا أن فيلم “السفارة في العمارة”مع الزعيم “عادل إمام” كان نقطة تحول حقيقية في مسيرته.
قدّم دور السفير الإسرائيلي بطريقة كوميدية ساخرة ذكية، وأكد بنفسه لاحقًا أن هذا الفيلم كان “وش السعد” عليه، إذ فتح له أبوابًا لم تُفتح من قبل.
وبعدها، توالت عليه الأدوار الناجحة: من “عسل أسود” مع أحمد حلمي، وغيرها من الأعمال التي لم يكن مجرد ممثل فيها، بل “ماركة مسجلة ى في الكوميديا الراقية ذات الطابع الإنساني.
في بيته.. حكاية حب عمرها 47 سنة
لم تكن حياة لطفي لبيب الفنية فقط هي الملهمة، بل أيضًا حياته العائلية. تزوج من امرأة من خارج الوسط الفني، واستمر زواجهما لأكثر من 47 عامًا.
رزق بثلاث بنات هن: “كريستينا، وكاتيا، وكارمن”، وكان دومًا يصرّح أن زوجته هي السند الحقيقي في حياته، خصوصًا خلال أزماته الصحية. قال عنها ذات مرة:
“مديون لها بكل حاجة.. بحياتي.”

تكريم رغم الغياب.. واحترام حتى النهاية
لطالما عرفه الجميع كفنان خلوق، راقٍ، متواضع. ورغم إصابته بجلطة أثرت على قدرته على التمثيل، لم يفقد احترامه لنفسه وجمهوره، وصرّح في لقاء مؤثر:
“أنا مش قادر أمثل، بس بدعي لكل اللي بيحبوني.”
تم تكريمه في أكثر من مهرجان، أبرزها “مهرجان الإسكندرية السينمائي”، الذي عبّر خلاله عن فرحته قائلاً:
“ده مش تكريم.. ده شهادة حب من بلدي.”
وداعًا “جدع الشاشة”
برحيله، خسر الفن المصري وجهًا من وجوهه الحقيقية، رجلًا لم يكن نجمًا بالمعنى الاستعراضي، بل “نجمًا في القلوب”، إفيهاته مثل:
“ارحم أمي العيانة” و”ابنك مجنون يا حاج”
لم تكن مجرد جُمل، بل مفاتيح فرح صنعتها موهبة صادقة لا تتكرر.