مسرح العرائس .. بقلم الكاتب والأديب الكبير .عميد أ/ح “رءوف جنيدى”

0

مسرح العرائس : _

عبر خيوط رفيعة تتدلى من أطراف صلبان خشبية . تحركها فى الخفاء اياد لا يراها المتفرجون . تتراقص على مسرح الحياة من خلالها شخوص مختلفة الرؤى والتوجهات . توصف حراكها أصوات وحركات تخطف السمع والبصر لتلهينا عما يدور من حولنا . فما علينا إلا أن نرى شخوصاً تتراقص . أما لماذا رقص من رقص أو تحرك من تحرك ؟ فهذا لا شأن لنا بهذا . فما علينا الا الأنبهار بما يدور على المسرح . أو مغادرته إن كان العرض على غير ما نتمنى .. وعلى وقع الخلفية الصوتية للشخوص الراقصة على المسرح . تبادر إلى سمعى من يقول ( الليلة الكبيرة يا عمى والعالم كتيرة … ماليين الشوادر يابا والريف والبنادر ) ….
سرت قليلا كأحد المتفرجين اتجول بنظرى . فإذا بالرئيس الأسبق مبارك وقد تدلى من أحد الخيوط . لينفى فى غضب عارم صحة تقرير بريطانى بثته إحدى القنوات الإخبارية مفاده أن سيادته قد وافق منذ ثلاثة عقود على توطين الفلسطينيين فى سيناء حلاً لمشكلتهم . ثم تلى هذه الضجة السياسية الإعلامية الغريبة المقصد والتوقيت . تصريحاً لوزيرة إسرائيلية نصه : أن سيناء هى أفضل مكان ليقيم فيه الفلسطينيون دولتهم .. حتى أن أحد الخبراء إياهم قد زادنا من الشعر بيتا : معللاً ان حادث مسجد الروضة ما كان إلا بغرض الإسراع فى تنفيذ هذا المخطط الاستيطانى ….
نظرت يميناً على خشبة المسرح بعد أن سمعت صوتاً يقول ( ورينا القوة يا ابنى إنت وهو …. مين عنده مروة وعامللى فتوة ) . فإذا بالكابتن محمود الخطيب والأستاذ محمود طاهر يتدليان من خيطين كان أحدهما أطول قليلاً من الآخر . وراحا يتراقصان ومن خلفهما المشجعين والمؤيديين . فى إستعراض مالى ونفوذى . وكأنه استعراض الحيتان . ديست خلاله تحت أقدام الحضور ملايين الجنيهات سفهاً وتبذيراً . حتى سقط الأخير مغشياً عليه بعد أن انقطع الخيط الذى كان يحركه . تودعه خلفية صوتية تقول : ( يا ام المطاهر رشى الملح سبع مرات . ف مقامه الطاهر خشى قيدى سبع شمعات … يا عريس يا صغير علقة تفوت ولا حد يموت ) . بينما ظل الأول معلقاً بخيطه ليتراقص أمام ناخبيه لعدة سنوات أخر …..
خطوات قليلة على المسرح .حتى سمعت صوتاً يقول : ( أنا شجيع السيما .. أبو شنب بريمة .. أول ما قول هالى هب واصرخلى صرخة .. السبع يتكهرب ويبقى فرخة ) .. ذهبت الى مصدر الصوت فعلمت أن الفريق أحمد شفيق بعد أن شمر عن ساعديه مبرزاً عضلاته . راح يتحرك بخيطه على المسرح فى زهو وخيلاء . معلناً عن ترشحه فى الانتخابات الرئاسية المقبلة .وسرعان ما انقلب المسرح رأساً على عقب . وتدلت من سقفه خيوط معلق بها عناكب مختلفة الحجم ودرجة السمية التى تنفثها عبر أبواق لم نشهد لوقاحتها مثيلاً من قبل . تزحف فى إتجاه الرجل . عازمة على النيل منه فكيف تجرأ وأعلن عن نيته الترشح . بدأت تلاحقه التقارير القاتلة لتاريخ الرجل وسمعته . وكيف أن المسكين أقدم على الإنتحار السياسى ورقص رقصة الموت …. الخ من إصطلاحات يجيدها الإخوة فى الفضائيات .. حتى أن أحدهم تطوع بنقل رسالة من مبارك إلى شفيق يحذره فيها من أن يتحدى السيسى . وأن ( لا تترشح …. الترشح فيه سم قاتل ) ….
صوت قوى آت من كل جنبات المسرح يقول ( ناس من بلدنا هناك أهم .. روح يا ابراهيم أنده لهم ) . فإذا هم مجموعة مختلفة ( دول فلاحين ودول صعايدة .. دول م القنال ودول رشايدة ) . يحملون معهم استمارات ( عشان نبنيها ) لتأييد الرئيس السيسى بالتفويض أو الموافقة على انتخابه رئيساً للبلاد لفترة رئاسية أخرى . فما على المواطن . إما التوقيع أو التنكيل بسمعته واتهامه بالعمالة والخيانة ومحاولة شق الصف . بعد أن أصبح فى نظرهم و بين ليلة وضحاها مواطناً لا يحب جيش بلاده ولا شرطتها ….
وهذه سيدة تجوب المسرح طولاً وعرضاً تصيح مكلومةً حزينة ( يأولاد الحلال بنت تايهة طول كده … رجلها الشمال فيها خلخال زى ده ) ليرد آخر : زحمة يا ولداه كام عيل تاه .. وقبل أن أسأل عن أمر السيدة . رأيت رجلاً يطوف بين الناس محذراً من عصابة تخصصت فى خطف الأطفال وسرقة أعضائهم . وأن هذه العصابة تضم من بين ذئابها أطباء كبار . ومراكز غير طبية يتم فيها التخدير واستخراج الأعضاء ودفن الجثث بعد تفريغها . ثم عرض الأعضاء للبيع ….. الخ . وكل شخص لاه فى آداء فقرته المسرحية . الى أن ينقطع حبله ويسقط فى مزبلة التاريخ ..
وتلك أم وقفت تبكى ً بجوار بائع الخضر أو الفاكهة . من أسعار لا قبل لها بها . فكيف تطعم صغارها .. وتلك زوجة مرض زوجها وأقعده المرض عن العمل فلا عائل ولا عائد … وتلك وتلك وتلك ….. الى آخر الأدوار المؤلمة . وأخرى هزلية تحركها أصابع خفية لا نعلمها ………. وحتى لا أشق أنا الصف أو أخرج عن الأصطفاف الذى يقال أنه وطنى . كان لابد أن أشارك فى تلك الملحمة . إما لزيادة إمتاع المشاهدين . أو لإضفاء المزيد من التشويق على هذا العرض السخيف ….. فاعتليت المسرح . وتقدمت لأجلس خلف عربة خشبية تعلوها كومة كبيرة من لعب الأطفال والكبار أيضاً . رحت أنادى بصوت خفيض وبحنجرة متحشرجة ودموع تتساقط …
فريرة للعيل .. يا بو العيال ميل .. خد لك سبع فرارير .
زمارة شخليلة .. عصفورة يا حليلة … طراطير يا واد طراطير .
ليردد الحضور من خلفى : طراطير طراطير طراطير ..
ليسدل الستار عن أسوأ العروض المسرحية التى لا نعرف لها مخرجاً ولا منتجاً ولا محركاً لشخوصها الخشبية . بعد أن غطت الطراطير أعين الناس وأذآنهم …
بسم الله الرحمن الرحيم ( لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها ألا قليلا # ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) صدق الله العظيم .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.