“الحياة قصيرة جدًا، فاختر معاركك بعناية، فليس كل انتصار يستحق عُمرك.”
قرأت هذه الجملة للمرة الثالثة، ثم تنهدت بعمق وهي تضع نظارة القراءة على المنضدة الخشبية العتيقة.
أغلقت الكتاب ببطء، وقامت لتُدير مفتاح الراديو. انساب صوت أم كلثوم يملأ أركان الغرفة: “وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان”.
سندت رأسها إلى الخلف، وداعبت أفكارها سؤالاً مريراً: “هل يمكن للزمان أن يعود؟ ولو عاد.. هل سأكرر نفس الخطأ؟”.
تذكرت كيف كانت تعيش حياته قبل حياتها. لم تكن مجرد حبيبة، كانت “بوصلته” اليومية.
كانت تستيقظ قبل موعد عمله لترسل له: “ماذا ستلبس اليوم؟”. كان يصور لها قمصانه وربطات عنقه، فتختار له الألوان التي تمنحه هيبةً وثقة.
حتى صوره على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن ينشرها إلا بعد “مباركتها”؛ هي من تضبط الإضاءة، وتختار الكلمات، وتقول له بزهو: “انشر هذه.. ستبدو رائعاً”.
كانت تحفظ مواعيد دواء الصداع لديه أكثر مما تحفظ تاريخ ميلادها. تسأله عن غدائه، وعن ضغط العمل، وتراقب نبرة صوته؛ فإذا شعرت بضيق، تحولت إلى “ملاذ آمن”.
كانت تشاركه أخباره السيئة قبل الجميلة، تحتضن قلقه بكلماتها الدافئة: “اهدأ.. كل شيء سيكون بخير، سيمر هذا اليوم كما مر الذي قبله، أنا معك”.
كانت سنداً لا يميل ولا يمل، تمنحه القوة من رصيد أعصابها، وتقول لنفسها بصبر: “سيشعر بي يوماً.. سيعرف كم اتألم لألمه وأحزن لحزنه كم اشعر به دائما دائما”.
لكن الحقيقة كانت أقسى؛ فبقدر ما كانت تضعه في “مركز” كونها، كان هو يضعها في “أطراف” حياته. تدريجياً، بدأ الاهتمام يتحول إلى واجب ثقيل عليه ومحادثتها وسماع صوتها آخر أولوياته.
تذكرت حين كانت تمر بأزمة صحية، واتصلت به لتسمع صوته لعل الوجع يسكن،
فرد عليها وهو يضحك مع زملائه: “أنا مشغول الآن، هل الأمر ضروري؟ خذي مسكناً ونامي”. في تلك اللحظة، شعرت بأنها ليست حتى في ذيل قائمة أولوياته.
وتذكرت كيف بدأ يتهرب من أسئلتها التي كانت يوماً تسعده. أصبح سؤالها عن “يومه” تدخلاً، واهتمامها بطعامه وشرابه “خنقاً”.
لم يعد يصور لها ملابسه، بل صار يظهر في الصور بأناقة اختارها غيرها، أو ربما اختارها لنفسه متعمداً تهميش رأيها.
وعندما بلغت القلوب الحناجر وواجهته ببروده، قالها بدم بارد، ودون أن يرمش له جفن: “أنا لم أعد أهتم بأي شيء في الدنيا، ولا أهتم بأي أنثى.. عملي هو مستقبلي الوحيد، وأنتِ أصبحتِ حملاً زائداً”.
تركها بكل سهولة، وكأنه يمسح رقماً من هاتفه، لا ذكريات من قلبه. تركها تتألم في صمت، بينما كانت هي من علّمته يوماً كيف يبتسم في وجه الصعاب.
المزيد من المشاركات

