وهم المعرفة و الوعي الزائف و اتساع فجوة الجهل
قالوا إنّ التكنولوجيا جاءت لترتقي بالإنسان، وتُسهم في تطوّره وتُزيده علمًا وثقافة غير أن ما حدث في واقع الأمر تحوّل إلى كارثة أصابت المجتمع وقادت إلى تشويه الوعي وانحسار الثقافة الحقيقية.
كتب : شريف سالم
بسترة المعلومات واتساع فجوة الجهل
من المؤكد أن بضع دقائق تقضيها في قراءة صحيفة أو مقال متعمق، لا تُقارن أبدًا بما يتم تلقيه خلال بضع ثوانٍ من مقطع فيديو مختصر ومع الأسف، أصبحت الفيديوهات القصيرة مصدرًا رئيسيًا للمعرفة لدى كثير من الناس، عوضًا عن الكتب أو المقالات أو الصحف،
لقد شهدنا تحوّلًا خطيرًا من وسيلة تُتيح لك الحرية في تلقي المعلومة والتفكّر بها إلى حالة من التلقين حيث تُبسّط المعلومات وتُقدَّم بصورة جاهزة تُبرمج العقل وتحدّ من قدرته على التحليل والتفكير النقدي
السؤال الجوهري ؛ من الذي يصنع محتويات لا تليق بك ؟ ولصالح من يصنعها ؟ هنا تكمن الكارثة ،، لا أشكك في كل من يصنع محتوى فهناك الكثير من المحتويات مفيدة ولكن الاعتماد عليها بشكل كامل حتى و ان كانت جيدة ليس صحيحاً أيضاً .
وهم المعرفة المبني على الثقافة السمعية
لقد أصبحت كلمة “مثقف” أو لقب “المطّلع” لا يناله إلا قلّة من الناس فالمثقف الحقيقي هو من يقرأ الرواية أو الكتاب مرارًا، ويتابع تجسيدها على شكل فيلم أو مسلسل أو عرض مسرحي، ويحرص على حضور الندوات والحوارات التي تُناقشها، لأنه باحث عن المتعة والمعرفة في آنٍ معًا.
أما اليوم، فكثيرون يظنون أنفسهم مثقفين لمجرد مشاهدتهم لمقطع فيديو اختصر معلومات تحتاج أيامًا لفهمها، معتقدين أنهم استوعبوها في دقائق. إنها ثقافة سمعية هشة، لا تُنتج سوى وهم المعرفة، لا المعرفة الحقيقية.
وعي زائف
لقد أصبح البعد عن القراءة أرضًا خصبة لانتشار الأخبار المغلوطة والكاذبة التي تُثير البلبلة وتصنع مواضيع ومفاهيم لا قيمة لها فتتصدر أولويات الاهتمام بينما تُقصى قضايا أكثر أهمية إلى أدنى درجاته وغالبًا ما تكون هذه المواضيع مبنية على معلومات عامة قد تكون منقوصة أو تفتقر إلى المصداقية ، والأدهى أن بعض المتابعين يظنون أنهم يمتلكون وعيًا تامًا بما يدور حولهم وهم في الحقيقة أسرى لخدمة أجندات معيّنة دون إدراك إذ إن قلة القراءة جعلتهم يفتقرون إلى أدوات التحقق والتمييز بين الصحيح والزائف.
بل إنّ الأمر تجاوز ذلك إذ أصبحنا نرى تكنولوجيا تفكر وتبتكر حلولًا بالنيابة عن الإنسان، وإن استمرّ الإنسان على هذا النهج فسيصبح بلا وعي وبلا تفكير، وبلا قيمة وهذا في حد ذاته يُشكّل خطرًا وجوديًّا.
التوازن ضرورة لا غنى عنها
إن الحل لا يكمن في التخلّي عن التكنولوجيا، أيًّا كان نوعها، بل في إيجاد توازن حقيقي بين المصدر والوسيلة المستخدمة لتنمية العقل وفهم الأمور بشكل سليم ، ويجب أن يكون الاعتماد على النفس في بناء الوعي الذاتي لا على الغير فالبحث عن الحقيقة وتكوين الرأي المستقل، وفهم الواقع كما هو، يتطلب جهدًا شخصيًّا ووعيًا حقيقيًّا، لا استهلاكًا سطحيًّا لما يُقدَّم جاهزًا.

