يوم ثانٍ من الحوار المعرفى الجاد: الندوات الفكرية لمهرجان المسرح العربى تواصل تعميق خطاب النقد
تقرير _ أمجد زاهر
اليوم الثاني من الندوات يفتح ملفات التأسيس النظري وتفكيك المفاهيم وبناء مشروع نقدي عربي معاصر
تواصلت فعاليات الندوات الفكرية المصاحبة للدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي بالقاهرة فى اليوم الثانى ١٢ يناير ، مؤكدة أن المهرجان لا يُعلي من شأن العرض المسرحي وحده، بل يضع الفكر النقدي في موقعه الطبيعي بوصفه شريكًا أصيلًا في صناعة المسرح وتطوره.
وشهد اليوم الثاني من الندوات نقاشات معمّقة اتسمت بالجدية والثراء، تمحورت حول إشكاليات النقد المسرحي العربي، وقضايا المصطلح، وأسئلة التأصيل النظري والمعرفي، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والنقاد العرب.
الندوات عكست حالة من الوعي المتزايد بضرورة مراجعة الخطاب النقدي السائد، وإعادة بناء أدواته ومفاهيمه بما يتلاءم مع خصوصية التجربة المسرحية العربية وتحولاتها الجمالية والفكرية.
الجلسة الرابعة: نحو معجم نقدي عربي موحّد
استُهل برنامج اليوم الثاني بالجلسة الرابعة، التي انعقدت في تمام الساعة العاشرة صباحًا، وشارك فيها الدكتور عبد الرضا جاسم (العراق) بورقة بحثية ركزت على تفكيك الالتباس المفاهيمي الذي يحيط بالمصطلح المسرحي العربي المعاصر.
ودعا جاسم إلى ضرورة توحيد الدلالة وبناء معجم نقدي عربي موحّد، يكون قادرًا على استيعاب التحولات المسرحية الحديثة دون الوقوع في فخ الترجمة الحرفية أو النقل غير النقدي عن المرجعيات الغربية.
وأكد الباحث أن أزمة المصطلح لا تنفصل عن أزمة المنهج، وأن غياب الاتفاق المفاهيمي يُربك الممارسة النقدية ويُضعف قدرتها على التحليل والتأثير.
الخصوصية وأزمة المصطلح: أسئلة التأسيس
وفي السياق ذاته، قدّم الأستاذ معتز بن حميد (ليبيا) مداخلة ناقش فيها النقد المسرحي العربي وإشكالية الخصوصية وأزمة المصطلح ورهانات التأسيس، متوقفًا عند التحديات التي يواجهها النقد العربي في ظل التداخل الثقافي وتعدد المرجعيات النظرية.
وأشار إلى أن غياب مشروع نقدي عربي واضح المعالم يجعل النقد عرضة للتشتت، ويفقده القدرة على مواكبة التجارب المسرحية المحلية بعمق وفاعلية.
وعقّب على الورقتين الدكتور سعيد الناجي (المغرب)، الذي شدد على أهمية تحويل هذه النقاشات النظرية إلى أرضية عمل مشتركة، تفتح الطريق أمام تأسيس خطاب نقدي متماسك، لا ينكر العالمية، لكنه ينطلق من خصوصية السياق العربي.
الجلسة الخامسة: كسر العرف السائد والبحث عن أفق جديد
وفي الساعة الحادية عشرة صباحًا، انعقدت الجلسة الخامسة، التي شهدت مشاركة الدكتور محمد خالص إبراهيم (العراق)، مقدّمًا دراسة بعنوان «ما بعد الفراغ: نحو تأسيس نقد مسرحي عربي خارج العرف السائد»، متخذًا من مسرحية «كيف سامحنا؟» نموذجًا تطبيقيًا. وطرحت الورقة تساؤلات جريئة حول جدوى الاستمرار في أنماط نقدية تقليدية لم تعد قادرة على قراءة التجارب المسرحية المعاصرة.
كما شاركت الدكتورة فاطمة أكفير (المغرب) بورقة بحثية تناولت تفكيك المفاهيم الكولونيالية وتأسيس خطاب مسرحي عابر للحدود، من خلال قراءة تجربة المسرحي خالد أمين، مؤكدة ضرورة تحرير النقد المسرحي من الإرث الاستعماري الكامن في بعض المفاهيم والمناهج، والانفتاح على أفق إنساني أكثر شمولًا.
وعقّب على الجلسة الدكتور الحليم المسعودي (تونس)، مشيرًا إلى أهمية هذا النوع من المقاربات التي تمزج بين التحليل النظري والتطبيق العملي.
الجلسة الختامية: نحو مشروع نقدي مستدام
واختُتمت الندوات بالجلسات الختامية المخصصة لاستخلاص النتائج والملاحظات، بمشاركة الدكتور بوكروح (الجزائر) والدكتور يوسف عايديابي (السودان)، فيما تولّى إدارة الجلسة الدكتور محمد سمير الخطيب (مصر).
وجرى التأكيد خلالها على أن هذه الندوات لا تمثل نهاية النقاش، بل بداية لمسار حواري طويل، يتطلب الاستمرارية والتراكم والعمل المؤسسي.
وأكد المشاركون أن تطوير النقد المسرحي العربي بات ضرورة ملحّة، ليس فقط لخدمة المسرح، بل لتعزيز مكانته بوصفه فضاءً للفكر والجمال والمعرفة، وقادرًا على مساءلة الواقع وإعادة صياغة الوعي الثقافي العربي.
بهذا الزخم الفكري، يثبت مهرجان المسرح العربي أن الرهان الحقيقي لا يكمن في العرض وحده، بل في بناء عقل نقدي عربي واعٍ، يمتلك أدواته، ويعرف طريقه، ويؤمن بأن المسرح لا يزدهر إلا حين يُحاط بفكر نقدي حي ومتجدد.

