كتبت / غادة العليمي
أبو السعود الإبياري …كان قلمه الذهبي سلاحه الأبرز في مواجهة أحزان المجتمع المصري، صانعًا للبهجة، وهاديًا للابتسامة، ومانحًا للمسرح المصري أعمالًا لا تُنسى. إنه “الجبل الضاحك” أبو السعود الإبياري، الذي نحتفل اليوم بذكرى ميلاده، لنتذكر سيرة واحد من أعمدة الكوميديا المصرية وأشهر من كتب للمسرح والسينما في العصر الذهبي للفن.
اسمه الحقيقي أبو السعود أحمد خليل الإبياري، وُلد في 9 نوفمبر عام 1910 بحي باب الشعرية في القاهرة. أحب القراءة منذ صغره، وبدأ يكتب الزجل وهو طفل صغير، حتى نُشرت له أول قصيدة في مجلة (الأولاد).
أُعجب بالكاتب الكبير بديع خيري وتأثر به كثيرًا، حتى كتب أول مونولوج بعنوان “بوريه من الستات” للمونولوجيست سيد سليمان، وحقق وقتها نجاحًا كبيرًا.
توالت بعدها أعماله الكوميدية، فكتب إسكتشات لفرقة بديعة مصابني، ثم أول رواية بعنوان “إوعى تتكلم”، لتتوالى بعد ذلك أعماله المستوحاة من مفردات الشارع المصري، وهو ما جعله قريبًا من الناس وسرّ نجاحه الكبير.
كان يكتب أسبوعيًا في مجلتي “الكواكب” و**”أهل الفن”** تحت عنوان ثابت هو “يوميات أبو السعود الإبياري”.
مسيرته السينمائية
انطلق أبو السعود الإبياري بسرعة البرق إلى عالم السينما، فكتب وألف عشرات الأفلام التي جمعت نخبة من نجوم الزمن الجميل مثل: إسماعيل يس، محمد فوزي، فريد الأطرش، ليلى مراد، فاتن حمامة، وأنور وجدي.
تميّز بإتقانه تصوير الشخصيات المصرية الأصيلة، واهتمامه بحياة المواطن البسيط، فقدم فنًا شعبيًا صادقًا.

كانت أولى محطاته الناجحة في السينما فيلم “لو كنت غني” عام 1942 بطولة بشارة واكيم، لتتوالى بعدها أعماله الخالدة مثل:
طاقية الإخفاء، شارع محمد علي، حسن وحسن، الفلوس، قلبي دليلي، عفريته هانم، ساعة لقلبك، المليونير، الآنسة ماما، حماتي قنبلة ذرية، تاكسي الغرام، دهب، سكر هانم، الفانوس السحري، الزوجة 13، صغيرة على الحب، شباب مجنون جدًا، البحث عن الفضيحة، وغيرها من روائع السينما المصرية.
تريندات صنعها قبل ظهور السوشيال ميديا
قبل أن تُعرف كلمة “تريند”، أطلق الإبياري جُملًا لا تزال تتردد حتى اليوم في الذاكرة الشعبية، منها:
- “يا صفايح السمنة السايحة، يا براميل القشطة النايحة، يا حلو يا لوز” – من فيلم لو كنت غني (1942) للفنان عبد الفتاح القصري.
- “ده أنا جنب منك أبقى مارلين مونرو” – من فيلم سكر هانم (1960) لعبد المنعم إبراهيم.
- “عفركوش ابن برطكوش من الجن الأخضر” – من فيلم الفانوس السحري (1960) لإسماعيل يس.
ثنائيات فنية خالدة
شكل الإبياري ثنائيًا فنيًا لا يُنسى مع رفيق دربه الفنان إسماعيل يس، وقدّما معًا سلسلة من أنجح أفلام الكوميديا في تاريخ السينما المصرية، مثل:
عفريتة إسماعيل يس، إسماعيل يس في الجيش، إسماعيل يس في الطيران، إسماعيل يس طرزان، إسماعيل يس في دمشق، إسماعيل يس يقابل ريا وسكينة.
كما أسّسا معًا فرقة إسماعيل يس المسرحية، التي كتب لها الإبياري أكثر من 65 مسرحية.
أغنيات خالدة من كلماته
لم يقتصر إبداع الإبياري على المسرح والسينما، بل امتد ليشمل الأغنية المصرية، فكتب عشرات الأغنيات الناجحة، منها:
- “معانا ريال” لفيروز.
- “يا عوازل فلفلوا” لفريد الأطرش.
- “يا وله يا وله” لعبد الغني السيد.
- “قلبي دليلي” و**”يا رايحين للنبي الغالي”** لليلى مراد.
- “إحنا التلاتة سكر نباتة” لشادية، إسماعيل يس، وشكوكو.
- “تاكسي الغرام” لعبد العزيز محمود.
- “واحد اتنين” لشادية.
- “قالوا البياض أحلى ولا السمار أحلى” لسعاد مكاوي.
بسبب غزارة إنتاجه وتأثيره الواسع في الوجدان المصري، لُقّب أبو السعود الإبياري بعدة ألقاب، منها:
موليير الشرق، أستاذ الكوميديا، النهر المتدفق، الجبل الضاحك، منجم الذهب، جوكر الأفلام.
ويُعد أكثر مؤلفي السينما المصرية إنتاجًا، إذ تجاوز عدد أعماله 500 عمل ما بين أفلام ومسرحيات وسيناريوهات تلفزيونية.
ورغم هذا الإرث العظيم، لم يُكرَّم الإبياري بما يستحق؛ فلم يحصل على جوائز كبيرة في حياته أو بعد وفاته، وظلمه التاريخ الفني رغم أنه صنع تاريخًا بأعماله.
حياته الخاصة
رغم معايشته لعالم الفن، اختار الزواج من سيدة من خارج الوسط الفني، أحبها بصدق وعاش معها حياة مستقرة بعيدة عن الأضواء.
أنجب ستة أبناء: يسري، أحمد، محمد، مجدي، ميرفت، وليلى، وسار بعضهم على دربه في التأليف والإنتاج، مثل أحمد الإبياري، يسري الإبياري، ومجدي الإبياري، الذين واصلوا رسالة والدهم في المسرح الكوميدي المصري.
رحل الكاتب الكبير أبو السعود الإبياري في 17 مارس عام 1966 عن عمر ناهز 59 عامًا، بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء.
ورغم غيابه الجسدي، ما زالت أعماله الخالدة تضيء سماء الفن المصري، وتُضحك أجيالًا متعاقبة من الجمهور.
رحم الله الجبل الضاحك الذي صنع البهجة بالكلمة، وخلّد اسمه في ذاكرة المسرح والسينما المصرية.


