بقلم ريهام طارق
تنطلق هذه السلسلة الرمضانية الخاصة بعنوان “ريهام طارق تكتب: سِيَرٌ تُنير”، مع حلول شهر رمضان المبارك، لتكون رحلة يومية في رحاب أعظم جيل عرفته الإنسانية؛ جيل الصحابة رضي الله عنهم.
وعلى مدار ثلاثين يومًا، نستعرض في هذه السلسلة سِيَر ثلاثين صحابي، نتوقف عند محطات مضيئة من حياتهم، ومواقفهم الخالدة مع رسول الله ﷺ، وكيف صنعوا تاريخًا ما زالت آثاره تنير دروب الأمة الإسلامية حتى اليوم.
لا تهدف هذه السلسلة إلى سرد الأحداث التاريخية فحسب، بل إلى استحضار القيم والمعاني التي جسدت في واقعهم، من صدق وثبات، وصبر، وإخلاص، لتكون هذه السير مصدر إلهام لكل من يسعى إلى تجديد إيمانه وبناء علاقة أعمق مع الله في هذا الشهر الكريم.
“سِيَرٌ تُنير”…نقرأها اليوم لنقتدي، و نتأمل، ونتعلم منهم، ونسير على خطاهم ، وفي مقدمة هؤلاء يأتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، أقرب الناس و أحبهم إلى رسول الله ﷺ، صاحبه في الدنيا، ورفيقه في أخطر وأصعب مراحل الدعوة الإسلامية.
من هو أبو بكر الصديق
هو عبد الله بن عثمان بن عامر، من بني تيم بن مُرّة، أحد بطون قريش العريقة، ويلتقي نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في مُرّة بن كعب.
نشأ في مكة المكرمة في بيت كريم، وعُرف بين قومه بالصدق والأمانة، وكان عارفًا بأنساب قريش وأخبارها، مما أكسبه مكانة رفيعة واحترامًا واسعًا قبل الإسلام.
حين دعاه النبي محمد ﷺ إلى الإسلام، لم يتردد، ولم يسأل عن دليل، بل قال كلمته الخالدة: {صدقت}، ومنذ تلك اللحظة، لم يكن أبو بكر مجرد تابع للدعوة، بل أصبح سندًا قويًا لرسول الله ﷺ، وسندا له في جميع المواقف.
أهم المواقف التي جمعته برسول الله ﷺ
كان أبو بكر رضي الله عنه أول من صدّق النبي ﷺ في حادثة الإسراء والمعراج، حين كذّبه المشركون وسخروا منه، فقال بثبات: {إن كان قال فقد صدق}، فاستحق عن جدارة لقب {الصديق}.
وحين تعرض النبي ﷺ للأذى في المسجد الحرام، اندفع أبو بكر يدافع عنه غير آبه بما سيلحق به، وهو يقول في وجوه قريش:
{أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟}، حتى ضُرب ضربًا شديدًا وسقط مغشيًا عليه.
ريهام طارق تكتب: كيف تحول عاداتك اليومية الخاطئة إلى عبادة حقيقية؟
الصديق خليل الغار:
جاءت أعظم لحظات الصحبة في الهجرة، حين اختار النبي ﷺ أبا بكر ليكون رفيقه في الرحلة الأخطر في تاريخ الإسلام، وفي غار ثور، عندما خاف أبو بكر على رسول الله ﷺ، طمأنه النبي بكلماته الخالدة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
فخلّد القرآن هذه الصحبة العظيمة إلى يوم القيامة.
وكان أبو بكر من أكثر الصحابة بذلًا للمال في سبيل الله ورسوله، فأنفق ماله دون تردد، وحرّر العبيد المستضعفين، حتى قال عنه النبي ﷺ: {ما نفعني مالٌ قط مثل ما نفعني مال أبي بكر}.
وحين اشتد مرض النبي ﷺ، أمر أبا بكر أن يؤمّ الناس في الصلاة، في دلالة واضحة على مكانته العظيمة وثقة النبي ﷺ الكاملة فيه.
أبو بكر رمز الإيمان بالله ورسوله في زمن الاختبار الأصعب:
بعد وفاة رسول الله ﷺ، واجهت الأمة أخطر لحظاتها، فثبت أبو بكر رضي الله عنه حين اضطربت القلوب، وقال كلمته الخالدة: {من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت}.
بهذه الكلمات أعاد للأمة وعيها، وقادها بحكمة وثبات في مواجهة حروب الردة والتحديات الكبرى.
ريهام طارق تكتب: كيف نستقبل شهر رمضان المبارك بقلب سليم
أبرز الغزوات التي شارك فيها أبو بكر الصديق:
شارك أبو بكر الصديق رضي الله عنه في معظم الغزوات الكبرى التي خاضها المسلمون في عهد النبي ﷺ، وكان حاضرًا في ميادين القتال كما كان حاضرًا في ميادين البذل والدعوة.
غزوة بدر (2 هـ):
كانت أول معركة فاصلة بين المسلمين وقريش، وشارك فيها أبو بكر رضي الله عنه مقاتلًا ثابتًا إلى جانب النبي ﷺ. وكان من أقرب الناس إليه في العريش يوم المعركة، يدعو معه ويثبّته، حتى تحقّق النصر المؤزر.
غزوة أُحد (3 هـ):
حين اضطربت الصفوف بعد مخالفة الرماة للأوامر، ثبت أبو بكر مع القلة التي أحاطت بالنبي ﷺ تدافع عنه، في موقف أظهر شجاعته ووفاءه في لحظات الشدة.
غزوة الخندق (الأحزاب) (5 هـ):
شارك في حفر الخندق مع المسلمين، وتحمل مشقة الحصار والجوع، وكان مثالًا للصبر والثبات في مواجهة تحالف قريش والقبائل.
صلح الحديبية (6 هـ):
لم تكن معركة عسكرية، لكنها محطة سياسية مهمة، وكان أبو بكر من أوائل المؤيدين لقرار النبي ﷺ، حين اعترض بعض الصحابة على بنود الصلح.
غزوة تبوك (9 هـ):
في هذه الغزوة، ظهر عظيم بذله، إذ جاء بماله كله دعمًا لجيش العُسرة، فقال له النبي ﷺ:{ما أبقيتَ لأهلك؟}… قال أبو بكر: {أبقيتُ لهم الله ورسوله}.
لم يكن حضور أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغزوات حضورًا عسكريًا فحسب، بل كان حضور إيمانٍ وثباتٍ وثقةٍ مطلقة بالله ورسوله، فقد جمع بين الشجاعة في الميدان، والبذل في المال، واليقين في القرار، ليظل مثالًا للصحابي الذي لم يتخلّف عن موقف احتاجه فيه النبي ﷺ .
أشهر أقوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
من أبرز ما عُرف عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه كلماته التي خرجت من قلبٍ عامر بالإيمان والتواضع والخشية، فكانت منهجًا في الزهد، والحكمة، والثبات، ومن أشهرها:
{من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت}.
قالها بعد وفاة النبي ﷺ، فكانت كلمات أعادت للأمة وعيها وثباتها.
{أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم}.
قالها في أول خطبة له بعد توليه الخلافة، في تجسيدٍ نادر لمعنى المسؤولية والعدل.
{والله لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله}.
وهي كلمة تعكس شدة خوفه من التقصير رغم عظيم منزلته.
{إنما الدنيا فناء، والآخرة بقاء}.
{احرص على الموت تُوهَب لك الحياة}.
أي احرص على التضحية في سبيل الحق، تكن حياتك ذات قيمة ومعنى.
{أين الملوك وأبناء الملوك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم}
تعكس هذه الأقوال شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إيمانًا عميقًا، وتواضعًا صادقًا، ويقينًا بأن قيمة الإنسان فيما يقدّمه من عمل صالح، لا فيما يملكه من مكانة أو سلطان.
وفاة أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
حين اقتربت أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه من نهايتها، كان ثابت القلب، مطمئن النفس، لم يتشبث بالدنيا ولم يجزع من الموت، وقد مرض بعد أن اغتسل في يوم شديد البرودة، فاشتد عليه المرض، وظل في أيامه الأخيرة يكثر من ذكر الله والاستغفار والدعاء.
وكان يردد دائما كلمات تفيض خشية وتواضعًا قائلا:
{اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتيمه، وخير أيامي يوم ألقاك}.
كما كان كثير التفكر في لقاء الله، خائفًا من التقصير، راجيًا رحمته، رغم ما قدمه للإسلام من تضحيات عظيمة.
وأوصى أن يُكفَّن في ثوبيه الباليين، وقال: {إنما هو للمهلة}، وطلب أن يُدفن بجوار رسول الله ﷺ، فكان له ما تمنى، ليلتحق بصاحبه الذي لم يفارقه حيًّا ولا ميتًا.
توفي سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، عن عمر ناهز ثلاثًا وستين سنة، وهي نفس السن التي توفي فيها رسول الله ﷺ، وكأن القدر شاء أن تتشابه الرحلتان حتى في ختامهما.
رحل الصديق أبو بكر الصديق خليل النبي ﷺ، وبقي أثره شاهدا على أن الإيمان الصادق لا يعلو صوته، لكنه يصنع أعظم المعجزات وينتصر علي أصعب التحديات، ويغير مجرى التاريخ، و يخلد صاحبه في قلوب الأمه الاسلاميه إلى يوم الدين.

نبذه عن الكاتب:
ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في الأخبار الفنية والثقافية، أجرت حوارات صحفية مع نخبة من أبرز نجوم الفن في الوطن العربي، وتشغل حاليًا منصب مساعد رئيس التحرير ورئيس قسم الفن بمؤسسة [اليوم للإعلام] التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، والتي تضم عددًا من الإصدارات الصحفية، من بينها جريدة أسرار المشاهير، اليوم الدولي، أخبار مصر 24، وجريدة تريندات العالم في جمهورية مصر العربية.
انطلقت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية،عبر جريدة [إبداع] في الرياض، قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، من بينها جريدة [الثائر] وجريدة [المغرد] في لبنان، وجريدة [النهار] في المغرب، ومجلة [النهار] في العراق، ومجلة [المحور] في الكويت.
كتبت ريهام طارق أيضا في مجال السياسة الدولية وأسواق المال الأمريكية والأوروبية، كما شغلت عضوية اللجنة الإعلامية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتعمل حاليًا على تقديم محاضرات متخصصة في الصحافة بمدينة مسقط سلطنه عمان.

