كيف تكون ممثلاً محترفاً؟
الحلقة الأولى: حين تنظر فى المرآة… هل ترى الحقيقة أم الدور؟
بقلم _ أمجد زاهر
في البداية، يبدو كل شيء بسيطًا: مرآة، ضوء خافت، وصوت داخلي يحلم بالتصفيق. هكذا بدأ “شريف” — بطل مشهدنا — رحلته نحو التمثيل، ممسكًا بفرشاة شعر كأنها جائزة عالمية، متخيلًا جمهورًا لا يُرى لكنه يشعر به في أعماقه.
لكن الحقيقة الصادمة أن ما بين الحلم والواقع مسافة أكبر بكثير مما يظهر في هذه المرآة الصغيرة.
هذه الحلقة الأولى ليست درسًا تقليديًا، بل كشف حساب بين الإنسان ونفسه قبل أن يصبح ممثلاً.
لأن أول شروط الاحتراف ليس الوقوف أمام الكاميرا، بل الوقوف أمام الذات.

النية قبل الموهبة… والصدق قبل الشهرة
في عالم الموهبة المزدحمة، هناك سؤال جوهري لا يطرحه كثيرون على أنفسهم:
لماذا أريد أن أصبح ممثلاً؟
هل لأنك تحلم بالشهرة، الأضواء، المتابعين، والسير على السجادة الحمراء؟
أم لأنك تريد أن تحكي قصص الناس، وتكشف ضعف الإنسان، وتُعرّي مشاعره ليراها العالم في صورتها الحقيقية؟
التمثيل، كما يراه المحترفون، ليس “كذبًا جميلًا”، بل هو “أصدق لحظة في ظرف غير حقيقي”.
الكاميرا قد تخدع الجمهور، لكنها لا تخدع الممثل… ولا تسامحه.
لمعة العين تكشف الكذب، واللحظة غير الصادقة تبدو واضحة مهما كان الإخراج بارعًا.
الممثل الحقيقي يبدأ من الشارع… لا من الحائط
الخطوة الأولى ليست كورس تمثيل ولا ورشة إعداد ممثل رغم أهميتهما.
الخطوة الأولى هي “هدم صورة البطل الخارق” التي تملأ ذهنك، والانتباه للإنسان العادي:
الرجل الذي يبيع المناديل على الإشارة
السيدة التي تتفاوض في السوق
الطفل الذي يقف مرتبكًا أمام باب المدرسة
العامل الذي يحمل همّه قبل أن يحمل أدواته
الممثل المحترف هو من يستطيع إعادة تشكيل هؤلاء على الشاشة، بجسد حقيقي، وصوت حقيقي، ومشاعر لا تحتاج إلى مبالغة.
لا أحد يصبح آل باتشينو بتقليد آل باتشينو، لكن يمكن أن تصبح نفسك… وهذا هو الأصعب.
هل يمكنك أن تكشف نفسك؟ هذا هو الامتحان الوحيد
قبل الدخول لأي اختبار كاميرا، واجه هذا السؤال:
هل تقبل أن تكون قبيحًا، ضعيفًا، جبانًا، عاشقًا، خاسرًا، أو شريرًا… فقط لأن الدور يتطلب ذلك؟
الممثل المحترف لا يمتلك غرورًا… بل يمتلك شجاعة.
شجاعة التخلي عن صورته الاجتماعية، شجاعة السقوط أمام الجمهور، وشجاعة السير في أعمق نقطة داخل نفسه ليعود منها بشخصية جديدة.
إذا كان داخلك صوت يقول:
«نعم، بس…»
فأنت لم تبدأ بعد.
أما إذا كانت “نعم” واضحة، مجردة من الخوف والكبرياء، فمرحبًا بك في عالم المجانين… المجانين العقلاء كما يقولون.
بين الخطوة والحرفة… هنا يبدأ الطريق الحقيقي
هذه الرحلة ليست سهلة؛ إنها تمزّقك أولًا لتبنيك من جديد.
لكنها الرحلة ذاتها التي صنعت أعظم ممثلي السينما عبر التاريخ، أولئك الذين عاشوا الشخصيات قبل أن يؤدوها.
في الحلقات القادمة سنذهب خطوة أبعد — من المرآة إلى المسرح، من الخيال إلى أدوات الاحتراف:
استعد… لأن الطريق من هنا لا يعتمد على الحظ، بل على الجهد، والوعي، والصدق.
والمنظر من القمة؟
يستحق كل لحظة تعب.

