أيام فارقة في التاريخ الإسلامي 1
بقلم د. رحاب أبو العزم
تعريف الصحابي
يقول الإمام العسقلاني: “وأصح ما وقفتُ عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام؛ فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى”. وهذا يعني أن الصحابي لازم له كي ينال شرف الصحبة النبوية الشريفة أن يكون لاقى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا؛ سواء أسلم في بداية الدعوة النبوية أو تأخر إسلامه؛ فالضابط أن يكون إسلامه قد تم في عهد النبوة الشريفة. وهذا التعريف كي نضع المقاييس الثابتة فنزن بها القضايا التاريخية.
معركة صفين
كان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أميرًا على الشام إبان خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه وبعد مقتله تولى سيدنا علي بن أبي طالب الخلافة الراشدة، وطلب معاوية من الخليفة الراشد قتل قاتلي سيدنا عثمان فرأى الخليفة أن الأمر يؤجل إلى حين استقرار الأوضاع السياسية للخلافة. ودارت القاصمة كما سماها الإمام المالكي ابن العربي؛حيث أرسل علي ابن أبي طالب رضي الله عنه إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته ومبايعته؛ فجمع معاوية بعض الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام، واستشارهم فيما يطلبه الخليفة، فقالوا: لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلمهم إلينا، فرجع جرير إلى علي بذلك، فاجتهد علي رضي الله عنه وخرج بنفسه مع مائة وعشرين ألف مقاتل لقتال معاوية، وتقاتلت الطائفتان المؤمنتان بصفين، وقُتِل منهما سبعون ألف مقاتل.
اجتهاد الصحابة
اجتهد الصحابي كاتب الوحي معاوية رضي الله عنه في ضرورة قتل قتلة الخليفة الثالث وذي النورين عثمان رضي الله عنه، واجتهد علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله والسابق للإسلام في تأجيل الثأر. إن الصواب كان في اجتهاد علي رضي الله عنه لأن الطالب للدم لا يصح له الحكم والخلافة، والطالب للدم لا يحق له أن يخرج على الحاكم؛ بيد أن وجود قتلة عثمان رضي الله عنه في معسكر علي رضي الله عنه كان خطأ لا يماري أحد فيه لكنه اجتهد رضي الله عنه ورأى أن قتلهم يفتح عليه بابًا لا يستطيع سده بعد ذلك مع إبراز حقيقة أنهم سبب أساسي في إشعال الفتنة العظيمة بين الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا.
إذن نحن أمام فريقين من الصحابة على اختلاف منزلتهم لكن في نهاية الأمر فالجميع من الصحابة اجتهد كل فريق منهم، واجتهادهم حق لم يمنعه الإسلام، ومن أصاب له الأجران، ومن لم يصب له أجر الاجتهاد، وما لنا أن نحكم بينهما بل الله تعالى الذي رضي عنهم هو من يحكم سبحانه؛ فالمطالبون بإقامة حد الله على قتلة عثمان معذورون لأنهم يطالبون بحق، وتقصير علي رضي الله عنه في إقامة حد الله كان عن ضرورة قائمة ومعلومة، وكان درءًا لمفسدة تهز أركان الخلافة الإسلامية. ولقد ذكر الإمام ابن تيمية بأن معاوية رضي الله عنه لم يكن البادئ بالحرب.


التعليقات مغلقة.