بقلم/ حاتم ابراهيم سلامة
——————————–
الأدب عدو السياسة !
——————————–
لا شك أن الأدب ضرورة سلوكية تربوية تنويرية ثقافية تتطلبها الحياة، وهو طريق يحمل رسالة سامية، تريد تهذيب السلوك البشري والهوى النفسي.. ويوم أن يُخلص الأديب لرسالته وموهبته فتخط يداه ثمارًا تُسعد الإنسان، وأعمالا تنير حياة البشرية، فإنه يقوم بدور عظيم ورسالة سامية، بل يقوم في طريقه مقام الأنبياء الذين دعموا الفضيلة حينما خاطبوا وجدان الناس وضمائرهم.
ومن هنا كان أي طريق يصرف الأديب عن موهبته وإخلاصه لها، والعناية بأدبه، يعد جريمة كبيرة، أو ضربة موجعة للمسيرة الأدبية.
ولعل طريق السياسة والانشغال بعملها، من أسوأ الأعمال والعوائق التي اعترضت طريق كثير من الأدباء، وصرفتهم عن هيامهم الأدبي، وذهبت بكثير من إخلاصهم، أو أضاعت كثيرًا من إنتاجهم، وأهدرت مواهبهم.
فأنيس منصور حينما جرفه السادات لطريق السياسة، لم يعد يكتب شيئا في الأدب والفلسفة، وهو الذي كان ينتج في العام الواحد ثلاثة أو أربعة كتب.
ومن قبله الأستاذ العقاد لم يكثر انتاجه الأدبي إلا بعد أن دبت الخصومة بينه وبين حذب الوفد الذي استقطبه ليكون لسانه المعبر عنه، وقلمه المسلط على خصومه.. ومن قبلها كان العقاد قليل الانتاج، ولم يكثر إلا بعد أن أراح نفسه من السياسة.
وكان إحسان عبد القدوس رحمه الله الكاتب السياسي الأول في مصر، في عهد الملك فاروق وبدايات ثورة 23، وبدايات عهد عبدالناصر، وكان قلمه جريئًا شجاعًا قويًا لاذعًا، وهو الأمر الذي لم يطقه عبد الناصر فسجنه شهرًا كاملا ذاق فيه إحسان مرارة السجن وألم الغربة ومعاني الوحدة حتى ضاقت نفسه وأقسم أن يهجر السياسة ولا يعود إليها أبدًا، وتركها مسرعا إلى عالم الأدب، وبرغم الطغيان الناصري.. إلا أن الفضل يرجع إليه في صرف إحسان إلى الأدب وميدانه، حتى كانت أعماله الغزيرة التي خلدتها السينما المصرية.
ولا شك أن أديبًا كسيد قطب كان يُنتظر له الكثير في عالم الأدب، كما كانت تشير بذلك قيمته الأدبية في بواكير كتاباته وأشعاره، لولا أن قصفته السياسة فخسر الأدب قلمًا عظيمًا وأديبًا كبيرًا.. وإن كان هناك من يرى أنه أثمر وأينع بكتاباته الاسلامية وتفسيره للقرآن، وأنه وجه الأدب ليخدم الدين، وينصف رسالته، وآخرون يلقون بالتبعة على جماعة الاخوان المسلمين ويتهمونها بأنها السبب المباشر في تحويل هذا العملاق عن مسار الادب الذي يرجونه.
وأمام هذا النفور نرى أن الكتابة في السياسة وإن كانت تجلب الهموم لصاحبها إن كان من المعارضين، أو تجلب العز والجاه لصاحبها إن كان من أقلام الحكام والسلاطين، فإنها في الحاليتن لا مستقبل لها إلا في لفافات الفول والطعمية التي يتسلمها الناس من المطاعم، أما الكتابة الأدبية فتظل باقية بقيمتها ونضارتها وهيبتها، تحفظ نفسها وكبرياءها، وتسير على طريق الخلود باقية شامخة مثمرة فاخرة.
