الإخصاء الكيميائي: عقوبة مثيرة للجدل لمواجهة جرائم التحرش الجنسي في كازاخستان
كتب باهر رجب
في خطوة تعد من بين أشد العقوبات المثيرة للجدل في مجال مكافحة الجرائم الجنسية، انضمت كازاخستان إلى مجموعة من الدول التي اعتمدت عقوبة الإخصاء الكيميائي للمدانين في جرائم التحرش الجنسي، وخاصة تلك التي تستهدف الأطفال. هذه العقوبة التي تثير تساؤلات أخلاقية وقانونية وطبية عميقة، تهدف إلى تقليل معدلات تكرار الجرائم الجنسية من خلال تثبيط الرغبة الجنسية للمدانين.
ما هو الإخصاء الكيميائي؟
الإخصاء الكيميائي هو إجراء طبي غير جراحي يعتمد على استخدام أدوية وعقاقير خاصة لتقليل الرغبة الجنسية بشكل مؤقت، على عكس الإخصاء الجراحي الذي يتضمن الاستئصال الدائم للأعضاء التناسلية. تعمل هذه الأدوية على تثبيط إنتاج هرمون التستوستيرون في الجسم، وهو الهرمون المسؤول الرئيسي عن الدافع الجنسي لدى الذكور.
من أبرز الأدوية المستخدمة في هذه العملية عقار “ليوبروريلين” (Leuprorelin) و ميدروكسي بروجستيرون (medroxyprogesterone)، وتعطى عادة على شكل حقن أو حبوب لفترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، يمكن أن تمتد لفترة أطول في بعض الحالات الاستثنائية.
الدول المطبقة لهذه العقوبة
كازاخستان ليست الدولة الوحيدة التي تطبق هذه العقوبة، فقد سبقتها إلى ذلك عدة دول منها:
كوريا الجنوبية: التي كانت أول دولة آسيوية تطبق الإخصاء الكيميائي في عام 2011.
الولايات المتحدة: تطبقه بعض ولاياتها مثل كاليفورنيا، تكساس، ألاباما.
إندونيسيا: التي بدأت تطبيقه في عام 2017 بعد صدمة البلاد بحادثة اغتصاب جماعي لفتاة في الرابعة عشرة.
بولندا و روسيا و بعض دول أوروبا الشرقية.
البيرو: التي أعلنت عن نيتها تطبيقه في عام 2022 بعد صدمة جرائم اغتصاب الأطفال.
الجدل الطبي والأخلاقي حول الإخصاء الكيميائي
رغم أن المؤيدين يستشهدون بدراسات من الدول الإسكندنافية تشير إلى انخفاض معدلات العودة لارتكاب الجرائم الجنسية من 40% إلى ما بين 0-5% بعد العلاج، إلا أن هذه العقوبة تظل محط جدل عميق.
الآثار الجانبية الصحية
يمكن أن تترتب على الإخصاء الكيميائي آثار جانبية خطيرة، منها نمو الثدي عند الرجال، الاكتئاب، هشاشة العظام، وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض نفسية عديدة. كما أن هذه الآثار قد تكون أكثر خطورة على مجرم تم إطلاق سراحه ويعاني بالفعل من اضطرابات نفسية.
محدودية الفعالية
يشير الخبراء إلى أن هذه العقوبة لا تمثل حلا جذريا للمشكلة، فالهرمونات الذكورية لا تختفي تماما أثناء تناول الأدوية، وتعود لمستوياتها الطبيعية بعد التوقف عن العلاج. والأهم من ذلك، أن الاعتداء الجنسي على الأطفال يمكن أن يتم بطرق مختلفة لا يرتبط بعضها بالدافع الجنسي فقط، مما يقلل من فعالية هذه العقوبة في منع جميع أشكال الجرائم الجنسية.
كازاخستان وتطبيق القانون
في سياق موجة التشديد العقابي على الجرائم الجنسية ضد الأطفال عالميا. أعلنت كازاخستان عن تطبيق عقوبة الإخصاء الكيميائي للمتحرشين بالأطفال. حيث يترك للمحاكم تحديد الحالات التي ستطبق فيها العقوبة ومدة سريانها. بهدف إنهاء الرغبة الجنسية لمرتكبي هذا النوع من الجرائم أو الحد منها.
هذه الخطوة تأتي في إطار رد فعل حازم على الجرائم الجنسية المروعة التي هزت الرأي العام. كما حدث في تركيا عام 2018 عندما أثارت قضية اعتداء جنسي على طفل في الرابعة خلال حفل زفاف غضبا واسعا. مما دفع السلطات هناك أيضا إلى التفكير في تطبيق العقوبة ذاتها.
خاتمة
عقوبة الإخصاء الكيميائي في كازاخستان والدول الأخرى التي تتبناها. تظل حلما للبعض و كابوسا للبعض الآخر. بينما يرى مؤيديها أنها وسيلة فعالة لحماية المجتمع. وخاصة الأطفال، من خطر المجرمين الجنسيين. يحذر منتجوها من أنها لا تعالج جذور المشكلة وقد تنتهك حقوق الإنسان.
في النهاية. يبقى السؤال الأهم: هل التركيز على العقاب البدني هو الحل الأمثل لجرائم هي في الأساس معقدة ومركبة. أم أن الاستثمار في بروقرافية التأهيل والعلاج النفسي. إلى جانب التربية المجتمعية السليمة. قد يكون أكثر فعالية واستدامة في مواجهة هذه الآفة الاجتماعية المروعة؟




