بقلم: ريهام طارق
جاءت رحلة الإسراء والمعراج تعطي لمن ضاقت بهم الدنيا درساً هاما بل وخالدا،و لحظة فاصلة في التاريخ الإسلامي.
جاءت رحله الاسراء والمعراج في توقيت بالغ القسوة، حين كان النبي محمد ﷺ محاصرا بالخسارة، و الحزن، و محاطا بعالم أصم أعمى لا يريد أن يسمع أو يفهم.
قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾[الإسراء: 1]
وفي سورة النجم:﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾[النجم: 12 – 18].
عام الحزن ماتت فيه رفيقه دربه وأكثر شخص كان داعما له:
في عام واحد، فقد زوجته ورفيقة دربه السيدة خديجة، روحه وسكنه، وبعدها فقد عمه أبا طالب، داعمة وظهره في مواجهة أعدائه، بعدها خرج إلى الطائف باحثا عن نافذة أمل، فعاد مثخنًا بالخذلان، كان المشهد إنسانيًا إلى حدٍ موجع… وهنا، تحديدًا، بدأ الصعود.
قد تخذلك الأرض… لكن السماء لا تُغلق أبوابها
لم يكن الإسراء مجرد معجزه الهيه، بل كان تاكيد علي أن لو الأرض اغلقت أبوابها، رب السموات والأرض لا يغلق بابه أبدا.
ما قابله النبي ﷺ في الطائف
خرج النبي ﷺ إلى الطائف يرجو نصرة لدعوته، فإذا به يُقابل بأقسى ألوان الأذى.. سخريةً.. تكذيبًا، وتحريضًا للصبيان والسفهاء، حتى أُدمِيَت قدماه الشريفتان بالحجارة، ولم يجد ملجأً إلا ظلَّ بستانٍ يلوذ به من القهر قبل التعب، وفي ذروة هذا الإحساس بالخيبه والانكسار، رفع النبي ﷺ يديه الشريفتين إلى السماء بدعاءٍ يفيض ضعفا ووجعا وقله حيله وقال:
“اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي،
إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني؟ أم إلى عدوٍ ملكته أمري؟
إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أُبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.
فكان هذا الدعاء درسًا خالدًا في اللجوء إلى الله حين تنقطع كل حلول الأرض وعندما يخذلك أضعف المخلوقات وهم البشر.
بعد أن فرغ رسول الله ﷺ من دعائه، جاءه جبريل عليه السلام بأمرٍ من الله، ومعه مَلَك الجبال، فقال له: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا به عليك، وقد بعثني إليك لتأمرني بما شئت فيهم، وعرض عليه أن يُطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة، لينتقم له ممن آذوه.
لكن النبي ﷺ، وقد بلغ ذروة الألم، اختار ذروة الرحمة، فقال كلمته الخالدة:
“بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا”.
وهذا يؤكد أن الرحمة كانت جوهر الرسالة، حتى في أشد لحظات الهزيمة والانكسار،وهذا درس آخر نتعلمه أننا لانرد على الأذى بالانتقام، ولا بالبغض ولا بالكراهية بل نفوض امرنا إلي الواحد القهار ونصمت ونصبر ونشاهد كيف يرد ربك عنك الأذى ويجبر خاطرك ويعوضك خيرا.
وعندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة بدأت رحلة الإسراء والمعراج حين حل الليل، ونزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ ليقوده في أعظم رحلة عرفها التاريخ البشري.
شاهد جبريل عليه السلام على صورته الملائكية، وله ستمائة جناح يتساقط منها الدرّ والياقوت.
جاء جبريل النبي محمد ﷺ يحمل أمر الله، وقال له إن الله اختاره لهذه الرحلة المباركة، وأن عليه أن يركب معه البُراق، الدابة التي أسرع من البرق، تحمل جسده الشريف بلا تعب ولا كلل.
ركب النبي ﷺ البُراق، وبدأ الانتقال من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، في رحلة خاطفة للزمن والمكان، لم يرَ مثلها أحد من البشر، عند وصوله إلى بيت المقدس، صلى إمامًا بالأنبياء جميعًا، كل نبيٍّ قابله كان مرآةً لتجربة: صبر، عزلة، اضطهاد، وانتصار مؤجل، ويقف محمد ﷺ، الرجل الذي رفضه قومه، إمامًا لكل الأنبياء، الرسالة التي حوربت، أصبحت المرجع، والنبي الذي أُوذي، صار قائدًا لكل من سبقه، في مشهدٌ يرمز إلى وحدة الرسالات، وكرامة الرسالة المحمدية.
بعدها بدأ النبي ﷺ المعراج بعد أن صلى في المسجد الأقصى، ارتفع إلى السماء الأولى، وكانت أول ما شاهده عظمة الخلق والنور الإلهي الذي يملأ السماوات، مشهدًا لا يُقاس بأي منظرٍ في الأرض.
في السماء الأولى، قابل أبونا آدم عليه السلام، واستقبله آدم تحيةً دافئة وقال له كلمات الإيمان والمحبة، ثم شاهد النبي ﷺ أبواب السماوات المفتوحة، وأنوارها المتسلسلة، والملائكة الواقفين في طاعة وإجلال لله، و في كل سماءٍ، كان يقابله نبي من الأنبياء السابقين:
يحيى وعيسى في السماء الثانية، يوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة.
ثم صعد بالنبي صلى الله عليه وسلم السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبريل، قيل من معك؟ قال محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال نعم، قال مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى..
قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك؟
“قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي”
رأى النبي ﷺ الجنة ونعيمها، أيضا وأراه جبريل نهر الكوثر، حافّته والحصى من اللؤلؤ، و تربته من المسك، ورأي أنهار الجنة الأربعة التي ذكرها الله في القرآن (الماء، اللبن، الخمر، العسل).
كما وجد رائحة طيبة كرائحة المسك وهي رائحة الوصيفة التي آمنت بالله وصبرت في بيت فرعون.
رأى النبي ﷺ مالك خازن النار، واطلع على صورة الدجال: أجعد الشعر، أعور العين، عظيم الجثة، أحمر البشرة، مكتوب بين عينيه: “كافر”.
كما رأى النبي ﷺ أناسًا لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، والدماء تسيل منهم، فسأل النبي ﷺ: “من هؤلاء يا جبريل؟ وما هي أعمالهم، ولماذا استحقوا هذا العذاب؟” فأجابه جبريل عليه السلام: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويعتدون على أعراضهم، ورأى أيضًا آخرين تُقطع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار بسبب النفاق والتغافل عن الحق.
رأي النبي ﷺ رجل يحمل حزمة حطب ضخمة لا يستطيع حملها: هو من يحمل أمانات الناس ولا يؤديها.
وشاهد النبي ﷺ أيضًا رجلًا يسبح في نهر من الدم ويُلْقَم الحجارة، فسأل النبي ﷺ: من هذا يا جبريل؟ ولماذا يُعذب في هذا النهر من الدم ويُلْقَم الحجارة؟ فأجابه جبريل عليه السلام: هذا آكل الربا، الذي يتعامل بالربا ويظلم الناس في أموالهم.
ورأى النبي ﷺ شجرة الزقوم، كما وصفها القرآن الكريم: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين}.
رأي أيضا النبي ﷺ تاركو الزكاة وهم يسيرون عراة على شوكٍ مؤلم يُسمى “الضريع”.
وشاهد النبي ﷺ أيضًا أناسًا تُرضخ رؤوسهم بالصخور، فتتكسّر ثم تعود كما كانت، وتتكرر هذه العملية مرارًا وعذابهم مستمر،فسأل النبي ﷺ: من هؤلاء يا جبريل؟ وما هي أعمالهم؟ ولماذا كل هذا العذاب؟ فأجابه جبريل عليه السلام: هؤلاء الذين تثقلوا عن الصلاة، المتكاسلون عن أداء الصلاة في أوقاتها.
رأى النبي ﷺ نساءً باكيات حزينات، ينادين فلا يُجبن، ويتضرّعن فلا يُرحمن، واستفسر النبي ﷺ من جبريل عنهن، فقال: هؤلاء اللواتي يتزينّ لغير أزواجهن.
ورأى النبي ﷺ نساءً تلتف أرجلهن إلى ألسنتهن وأيديهن إلى نواصيهن، فقال جبريل: هؤلاء اللواتي لا يحسن العشرة، ولا يغتسلن من الحيض والجنابة، ويستخفّن بصلاتهن.
ورأى نساءً معلّقات بأرجلهن في تنور من نار، فقال جبريل: هؤلاء اللواتي يشتمّ أزواجهن.
ورأى نساءً سود الوجوه يأكلن أمعاءهن، فقال جبريل: هؤلاء القوادات اللاتي يجمعن بين اثنين على الحرام.
كما رأى النبي ﷺ نمامة على هيئة خنزير وبدنها كالحمير تتلقّى ألف نوع من العذاب، فقال جبريل: هذه النمامة التي تزرع الفتنة بين الزوج والجيران وتنشر الكذب.
ورأى النبي ﷺ امرأة على صورة كلب، تدخل النار من فوقها وتخرج من تحتها، والملائكة تضرب رأسها بمقامع من حديد، فقال جبريل: هذه المحرشة بين الناس بالبغضاء.
كما رأى النبي ﷺ رجالًا منقلبين على وجوههم، وتحمل صخور من نار على ظهورهم، والملائكة تضربهم بمقامع من حديد، فقال جبريل: هؤلاء اللواطية.
ورأى النبي ﷺ رجالًا ونساءً مصفّدين بأصفاد من نار، وجباههم سوداء، والحيّات تلفّ أعناقهم وتلدغهم، فقال جبريل: هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله.
ورأى النبي ﷺ أقوامًا بين أيديهم لحم طيب ولحم خبيث فيأكلون الخبيث ويتركون الطيب، فقال جبريل: هؤلاء الذين يغشّون الناس في الحلال ويذهبون إلى الحرام.
ورأى النبي ﷺ رجالًا ونساءً تُردّ أقدامهم إلى ظهورهم، وأدبارهم إلى أقبالهم، وتلّهب النار أجسادهم مع كل ضربة، فقال جبريل: هؤلاء الذين يستكبرون على الناس بغير الحق.
ورأى النبي ﷺ رجالًا ونساءً يدخل في أدبارهم النار وتخرج من أفواههم، فقال جبريل: هؤلاء الهمازون واللمّازون والغمازون.
ورأى النبي ﷺ رجالًا يُرمون بشهب من نار في أفواههم وأبصارهم وتخرج من أقفيتهم، فقال جبريل: هؤلاء الذين يبهتون الناس ويثيرون الفتنة.
ورأى النبي ﷺ نساءً معلّقات بشعورهن في شجرة الزقوم والحميم يصب عليهن فيهرى لحومهن، فقال جبريل: هؤلاء اللواتي يقتلن أولادهن خوفًا من مطعمهم ومشربهم وتربيتهم.
ورأى النبي ﷺ نساء على رؤوسهن قطران والحيّات تنهشهن، فقال جبريل: هؤلاء النواحات اللاتي يفعلن ما نهى الله عنه من غير توبة.
كما رأى النبي ﷺ رجالا ونساء في السعير، والنار لها دوي، وتدخل إلى بطونهم من أدبارهم وتخرج من أفواههم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً.
وعند وصول النبي ﷺ إلى السماء السابعة، كانت الرحلة قد بلغت ذروتها، حيث التقى بأعظم الأنبياء وأشرفهم، ووجد سيدنا إبراهيم عليه السلام في مقام يفيض عظمةً وسكينة، فقال:
“يَا محمد، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ”.
وما أن اقترب النبي ﷺ حتى بدا له سدرة المنتهى، الشجرة العظيمة التي لا تدرك عظمة ظلها إلا بالروح والقلب، والتي تمثل الحد الأعلى للخلق، والمقام الذي لا يرتقي إليه إلا المختارون، كبيرة الحجم، ثمارها كالجرار، أوراقها مثل آذان الفيلة، تحتها تجري الأنهار، عندها، لاحظ النبي ﷺ الأنوار الإلهية تتلألأ حوله، و الملائكة في طاعة كاملة، والنور الإلهي يغمر المكان كله، ومن المشاهد العظيمة التي رآها النبي ﷺ في السماء السابعة هو البيت المعمور، وهو بيتٌ في السماء يُقابل الكعبة في الأرض، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم يطوفون حوله، ثم لا يعودون إليه مرة أخرى، إنه بيت عبادة لأهل السماء، كما الكعبة لأهل الأرض، في مشهد يظهر وحدة الخلق في تسبيح الله وتعظيمه، وفي هذه اللحظة المباركة فرض الله على النبي ﷺ الصلاة خمس مرات يوميًا، لتكون صلةً دائمة بين الأرض والسماء، وبين العبد وربه.
لم يكن الحدث سهل التصديق، بعضهم سخر، وبعضهم ارتدّ، بينما قال الصديق أبو بكر: “إن كان قال فقد صدق” هنا، يتضح لنا جوهر الرحلة الأساسية وهي:
“الإيمان بالله ورسوله ليس فيما يُرى، بل فيما يُصدَّق رغم عدم الرؤية”.
ماذا تعلمنا الرحلة اليوم؟
أن الانكسار ليس نهاية القصة، و أن أقسى اللحظات قد تسبق أعظم التحولات الي كل ما هو فيه خير لنا ، وأن الصلاة ليست واجبًا ثقيلًا، بل دعوة وصال يوميه بينك وبين ربك، وأن المسجد الأقصى جزء أصيل من العقيدة الإسلامية.
رحلة الاسراء والمعراج تعلمنا أن الصعود دائما يبدأ من القاع:
رحلة الاسراء والمعراج تذكرك أن الصعود دائما يبدأ من القاع، في زمن يضغطك يومياً للأسفل، ويعلمك أن النجاة ليست بعيده ولا مستحيله وان فرج الله قريب، والسماء أقرب مما تظن، وأن الله لا يترك عباده أبدا في لحظات الانهزام والضعف و الانهيار، بل يفتح لهم أبواب السماوات السبع.
هكذا كانت رحلة محمد ﷺ رحلة عنوانها حين تضيق بك الأرض… تتسع لك السماء السماء.




