تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
التصدُّعات المجتمعية تحت قذائف “الترند” بقلم: وائل جنيدي
لا جرم أن دور الإعلام منذ عهود سحيقة في التاريخ ليس أمراً بسيطاً وأن الرأي العام واهتمامات الشعوب لها أثر كبير على مسيرة التاريخ ووجهة الأحداث.
وليس الرأي العام المصنوع صناعة والمزيف بالكامل أو المضلل -إذا أردنا الدقة-
جديد على المجتمع الإنساني، ولا ننسى أن إسرائيل دولة كاملة قامت وتمارس البلطجة على العالم أجمع فقط لكون لديها قدرة على التأثير الإعلامي على الرأي العام العالمي.
قديما كان العرب يحذرون الشعراء ويهابونهم حيث كان الشعر القوة الناعمة الأقوى وكان بمثابة كلمة التاريخ حيث كان له القدرة على إثبات حقائق وتهميش أخرى وحتى إن كان الواقع خلاف ذلك، فكنت تجد مجداً تليداً لقبيلة يهوي إلى الحضيض ببيت شعر أو قبلية خاملة الذكر ليس لها سابقة من مروءة ولا بطولة ولا سواها وقد صارت تتفاخر ببيت شعر في مدحها فقد سقطت نمير ببيت شعر من جرير وسادت وارتفعت بنو أنف الناقة ببيت شعر أيضا.
الشاهد أن الشعر كان هو الأداة الإعلامية الأكبر أثرا و الأوسع انتشاراً
ومع تطاول الزمان وتطور كل شيء تقريباً فقد تنازل الشعر والأدب عن عرشه لفنون إعلامية أحدث وتراجع مع ما كان على شاكلته من فنون الإعلام إلى مؤخرة الركب الإنساني وتصدر المشهد أنواع أخرى لها أثر أكبر فتقدمت المطبوعات لتحمل الراية بالكتب والصحف والمجلات وأصبح الرأي العام بل والتاريخ يخرج مطبوعاً من بلاط صاحبة الجلالة لكنها لم تكن طريقة بعيدة عن الجذور التاريخية للإعلام ولصناعة التريند أو متابعته حيث طرح كتاب أو كتابة مقال يلزمه حد أدنى من العلم والثقافة والعقل .
وظل الرأي العام والتريند رفيقاً للصحف ضيفاً كريماً في بلاط صاحبة الجلالة حتى سقط عرشها وتفرقت حاشيتها
المزيد من المشاركات
ولأن وقائع التاريخ حتمية غالباً وقاطرة التغيير لا يوقفها شيء فقد أشرق الإعلام في ثوب جديد مسموعاً ومرئياً عبر الإذاعات والشاشات وعند تلك النقطة أصبحت قوى الإعلام أقوى وأكثر انتشاراً وأثراً وهي أدوات وإن بعدت عن الطريقة المثلى للإعلام القديم حيث استبدل رجاحة العقل بملاحة الوجه وحلاوة البيان بجمال الصوت إلا أنها ظلت مقيدة بالحد الثقافي الأدنى على الأقل فلم يكن يجوز أن تخرج على الشاشات أو عبر الإذاعات تريندات على شاكلة ما نراه اليوم من تفاهات وانحدار بل وسقوط في القيم الإنسانية والثقافية وطبيعة الخطاب المنوط به توجيه الجماهير أو التعبير عنها.
وبعد تراخي قبضة الإعلام والتلفزيوني الإذاعي الصارم وميلاد عصر جديد يحمل راية الإعلام فيه ما يسمى صحافة المواطن وأصبح لكل شخص مهما كان منبراً إعلاميا يحمله في جيبه وما الإعلام إلا هاتف بسيط وحساب على منصات التواصل الإجتماعي ومرحباً بالتريند .
من الطبيعي أن المجتمعات لديها المرونة الكافية والقدرة على تصحيح مسارها إذا انحرف انحرافا بسيطا أو حاد عن الطريق قليلا، لكن إذا انقلب الأمر رأسا على عقب وصار عاليها سافلها فان المجتمع غالباً لن يكون لديه القدرة على العودة إلى جادة الصواب إلا بقوة عاتية لا تأتي سوى مع الأحداث الجسام والوقائع العظام
لذا فان مسار السقوط الأخلاقي والإجتماعي والأدبي مسار حتمي للأسف، لكنه ليس قدراً مقدوراً فيمكن بشيء من عقل وحكمة رتق الخرق وترميم الصدع قبل انهيار المجتمع بالكامل.
وهو أمر يحتاج إلى الدفع بطرح جديد عالي الجودة صادق النية والتوجه يداعب الذوق العام ويعيد بناء ما قد تهدَّم من الصرح الإجتماعي الآيل للسقوط وتتراجع المنظومة الفاسدة التي وإن كانت بمحض الصدفة أو عن عمد تكاد تقتل المجتمع وتفكك تماسكه
ولعل الخطوة الأولى هي البحث عن رموز جديدة تشرئب لهم الأعناق ويدور حولهم التريند فلا يجوز بشكل من الأشكال أن يتشكل التريند من جماعة من العاهرات والقوَّادين والمجرمين ولا نسمع عن عالم ولا أديب ولا بطل حرب ولا سلام
فتخرج علينا جارية ممن كان يضرب فوقهم الرَّايات الحُمر في الجاهلية لتقول لشعب كشعب مصر (احنا أسياد البلد) لأن لها قصراً في الساحل وحمام سباحة وانهار التريند تجري بين يديها فسلعتها رائجة بطبيعتها وسوقيتها تؤهلها لتعتلي موجات التريند وتتعالى على شعب ضرب جذوره في التاريخ الحضاري من قبل ان يعرف العالم ما هي الحضارة .
مثل تلك وغيرها يجب أن يحجبوا تماماً ويعود إلى الواجهة من يستحقها من ذوي العقول العظيمة والأفعال الكبيرة حيث الأمم لا تبني بالرقص والهزل والسفاهات انما تبني بالعلم والادب والأخلاق والقيم وقبل كل شيء بالفطرة السوية والبوصلة الدقيقة لنفرق بين الصالح والطالح ونعلم من أراد بنا سوءا فسمم افكارنا ومن أراد بنا خيرا فارشدنا للطريق القويم.
لعلنا ننقذ جيلًا جديداً مقيداً على القضبان وقطار التريند يكاد يدهمه.
المقال التالى
