كتب أحمد الدليل
فى العالم الغربى المسيحى على مر العقود الأخيرة تم الربط بإمتياز فى وسائل الإعلام بين التطرف الدينى وما يرتبط به من ظاهرة الإرهاب وبين الدين الإسلامى مستغلين ما يتم تنفيذه من أعمال إرهابية على يد قلة من الجهلاء والمأجورين والمغيبين ممن ينتمون إلى أمة الإسلام.
وللأسف إستسلمت الأغلبية من أصحاب الفكر ورافعى رايات التنوير من أبناء العالم الإسلامى لتلك التهمة متناسين أن الإسلام دين السلام والسماحة وأن دعوة نبى الله محمد صلى الله عليه وسلم ما هى إلا دعوة للتسامح والإخاء بين البشر أجمعين.
لكن ما حدث فى نيوزلندا فى الشهر الماضى وبالتحديد فى يوم الجمعة الموافق الخامس عشر من مارس منذ ثلاثة أسابيع تقريبا عندما تعرض المصلون أثناء صلاة الجمعة لحادث إرهابي غادر أنتهى بوفاة أكثر من خمسون ضحية.
وبالرغم من بشاعة الحادث إلا أنه أتاح لنا كمسلمين فرصة ذهبية لإنتزاع إعتراف العالم الغربى بأن الإرهاب لا دين له وأن كل ما تم إلصاقه بالإسلام من تهمة الإرهاب هو ظلم وإفتراء.
ذلك هو ما حدث بالفعل حيث تم ترسيخ هذا المفهوم من أن الإرهاب لا دين له إنما هو وليد وناتج من الفكر المتطرف سواء كان تطرف دينى أو تطرف إجتماعى مثل الفكر اليمينى المتطرف المنتشر الآن فى الغرب.
وللإستدلال على ذلك علينا الرجوع إلى التاريخ القديم لكى نستعرض بعض اللمحات من التاريخ التى تدعم ذلك المفهوم من أن الإرهاب لا دين له.
فالنرجع بذاكرتنا إلى الوراء بالتحديد إلى عام ٤١٥ ميلادية فى مدينة الإسكندرية عندما قاد الفكر المتطرف الأعمى مجموعة من القساوسة ممن يرفعون راية المحبة والسلام من الإعتداء على إمرأة فاقت كل أقرانها من العلماء فى جامعة الإسكندرية فى علوم الفلسفة والرياضيات والفلك والفيزياء فكانت رئيس كرسى الفلسفة فى الجامعة ثم بعد ذلك أصبحت رئيسة جامعة الإسكندرية فى عصرها( دائرة المعارف البريطانية_ موسوعة قصة الحضارة الجزء١٢ الفصل الثانى).
إنها (هيباتانيا )التى كانت أكثر العلماء تميزا فى عصرا وبحكم منصبها ومكانتها العلمية كانت تلتقى بالرجال سواء من العلماء أو الطلاب فكانت تلك هى جريمتها.
ذلك أزعج رئيس كنيسة الإسكندرية حينئذ( الأسقف كيرلس) لأن إدخال المنطق وإعمال العقل والتفكير سوف يؤدى مع مرور الوقت إلى فقدان الكنيسة للسيطرة على أبناء الإسكندرية التى إعتادت منهم السمع والطاعة لسلطتها الدينية.
فقامت مجموعة من الرهبان بتتبع هيباتانيا وهى عائدة من الجامعة فى طريقها إلى منزلها ثم قاموا بالهجوم عليها وتجريدها من ثيابها تماما ثم قتلوها بعد ذلك ولم يكتفوا بذلك بل قطعوا جسدها ثم حرقوها.
يعلق ويل ديورانت فى موسوعته قصة الحضارة:
( أيمكن أن يكون بطرس القارئ للصلوات، وباقى الرهبان تلاميذ للمسيح..؟؟ الذى عفا عن المرأة الزانية وقال: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر؟! ثم قال للمرأة أذهبى بسلام ثم لا تعودى لمثل هذا الفعل…. كيف يمكن لهؤلاء أن يكونوا تلاميذ للمسيح؟؟؟)
كانت تلك لمحة عن التطرف الفكرى الدينى فى العصر الروماني بعد إعتماد المسيحية دينا رسميا بالدولة الرومانية.
ماذا عن التطرف الدينى فى العصور الحديثة؟
فلنذهب الآن إلى أوربا فى القرن السابع عشر وبالتحديد فى ألمانيا عام١٦١٨ مع إنطلاق شرارة حرب دينية دموية أستمرت نحو٣٠عاما ولذلك سميت بحرب الثلاثين عاما. ، وتوسعت الحرب لتصل معظم أوروبا، الحرب قامت بين مسيحيين ومسيحيين، (مسيحيين كاثوليك) و (مسيحيين بروتوستانت)، لكن مع الوقت تدخلت دول أوربية أخرى فى هذاالصراع الكارثي الذى أدى إلى نشر الخراب فى أوروبا كلها.
حدثت تلك الحرب بسبب إضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لأتباع الفكر التنويرى البروتستانتي الذى قام بتأسيسه الراهب الألماني( مارتن لوثر)
فأقامت الكنيسة الكاثوليكية محاكم التفتيش ضد مخالفيها من البروتوستانت من أجل بث الرعب في نفوسهم وردعهم عن الخروج عن الكاثوليكية.
فتم إتخاذ العديد من الإجراءات العقابية ضد أي شخص يتم الشك في ولائه لأوامر الكنيسة الكاثوليكية .
فقامت محاكم التفتيش بإبادة المواطنين سواء بالخنق أوالإحراق أوالإغراق والإعدام شنقاً، وكافة وسائل التعذيب التى تتنافى مع الإنسانية والرحمة.
فانقسم العالم المسيحي في أوروبا إلى قسمين: قسم كاثوليكي وقسم بروتستانتي، ودارت بينهما المعارك والحروب التي ذهب ضحيتها أرواح بريئة وأنتشر الخراب الكامل فى أوربا.
وبالطبع لا يمكن أن ننسى ما حدث قبل ذلك أيضا من محاكم تفتيش أستهدفت المورسيكيين بعد سقوط غرناطة آخر معاقل الإسلام فى الأندلس.
ثم نعود بالتاريخ إلى العصر الحديث فى البوسنة والهرسك فى التسعينيات من القرن الماضى وما حدث من مجازر على أيدى الصرب الأرثوذكس ضد المسلمين .
كل ما سبق كان مجرد لمحات من التطرف فى الفكر الدينى عبر عصور التاريخ و التى تم ختامها بالحادث الإرهابى فى نيوزلندا .
بالتالى على الأمة الإسلامية من الآن فصاعدا عدم السكوت أو السماح بإتهام الدين الإسلامى بأنه المسئول الوحيد عن التطرف الدينى ذلك إذا ما تم تجديد الإتهامات فى المستقبل من جديد.
