كتبت: ريهام طارق
هل يعقل أن صناعة بحجم تاريخ السينما المصرية تتحول إلى لعبة بيد قلة؟!
تعيش الدراما المصرية اليوم أزمه، لا تتعلق فقط بتراجع مستوى الإنتاج، بل بسيطرة شركة واحدة على مفاتيح السوق، هذه الأزمة أغلقت الأبواب أمام عشرات الفنانين والكتاب، فصار الفن أسير الاحتكار لا فضاء الحرية، و دفعتها إلى الدوران داخل دائرة ضيقة لا تليق بتاريخها العريق ولا بطاقاتها البشرية الضخمة.
فنانين يواجهون قسوه الحياه ويعانون من تزايد أعباء وغلاء المعيشة
فعلى الرغم من الزخم الكبير في عدد الفنانين و الصناع، لا يتجاوز حجم الإنتاج السنوي أربعين إلى خمسين عملًا بالكاد، وهو رقم متواضع لا يعكس حجم السوق ولا يتناسب مع الطاقات المتخصصة المتفرغة لهذه المهنة، هذا التراجع دفع ببعض الفنانين إلى الاكتفاء بعمل واحد كل عامين، فيما يظل المئات خارج دائرة الإنتاج تمامًا، يواجهون قسوة الحياة ويعانون من تزايد أعباء وغلاء المعيشة، في مشهد يلخص مأساة صناعة كاملة تبحث عن طوق نجاة.
ومع اقتراب الموسم الرمضاني 2026، الذي يمثل الذروة الإنتاجية للدراما المصرية، يظل السؤال ملحا: هل سنشهد تكرارا للوجوه ذاتها كما يحدث كل عام؟ الواقع يكشف أن الفرص محصورة في دائرة ضيقة لا تطال سوى قلة من النجوم، بينما يستبعد آلاف الشباب والكوادر الموهوبة، هذا إلى جانب مسلسلات “Off Season” التي لم تنجح هي أيضا في كسر هذا الاحتكار، لتبقى العدالة في توزيع فرص العمل غائبة.
أين هو دور نقابة المهن التمثيلية؟ وما الذي قدّمه الدكتور أشرف زكي لمواجهة هذه الأزمة؟
وهنا يطرح السؤال: أين هو دور نقابة المهن التمثيلية؟ وما الذي قدّمه الدكتور أشرف زكي لمواجهة هذه الأزمة وضمان مشاركة أوسع للمواهب، بدلًا من أن يحتكر بعض الفنانين أكثر من عمل في موسم واحد؟
يضاف إلى هذه الازمه غياب الحضور المصري على شاشات المنصات العالمية، في وقت تتسع فيه النوافذ أمام الإنتاجات الكورية و النيجيرية والتركية والأمريكية التي تسوق بكثافة في أسواق أوروبا وآسيا وإفريقيا وبينما تمتلك تلك المنصات مكاتب رسميه تمثلها في العديد من العواصم الكبرى، تغيب القاهرة عن هذا المشهد، ولم تسجل حضورها بوجود شبكات قوية أو استراتيجيات واضحة لتسويق الإنتاج المصري عالميا، لتزداد الأزمة تعقيداً وتبقى الدراما رهينة حدودها الضيقة.
المفارقة أن هناك عدة دول استطاعت تحويل فنونها إلى قوى اقتصادية وثقافية ضخمة، نيجيريا تنتج ما بين 1500 :2000 فيلم سنويا، عبر ما يعرف بـ”نوليوود”، لتجعل السينما مصدر دخل قومي، أما الهند فقد تربعت على عرش ثاني أكبر صناعة سينمائية في العالم بإنتاج يتجاوز 2000 فيلم سنويا، توزع عالميا عبر منصات كبرى مثل “نتفليكس” و”أمازون برايم”، وتأتي كوريا الجنوبية بدورها تحولت خلال العقد الأخير إلى قوة ناعمة عالمية، تجاوزت صادراتها الثقافية من دراما وسينما وموسيقى حاجز 12 مليار دولار سنويا، في المقابل، تراجعت مصر من موقعها التاريخي كـ أكبر قوة درامية و سينمائية في الشرق الأوسط إلى صناعة محدودة تعرض غالبا داخل حدودها وبعض الدول العربية فقط، والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ما الذي ينقص مصر اليوم لتستعيد دورها الريادي، وتحول فنونها من جديد إلى صناعة قومية عابرة للحدود، قادرة على المنافسة عالميا؟
دعوة عاجلة إلى الدولة وصناع القرار والمستثمرين
إنها دعوة عاجلة إلى الدولة وصناع القرار والمستثمرين لفتح السوق أمام استثمارات جديدة، وتحرير الصناعة من قبضة الاحتكار، ووضع استراتيجية للتسويق العالمي.
الأزمة الحقيقية التي تواجه الدراما المصرية تتمثل في استمرار التعامل معها بوصفها مجرد أداة للتثقيف والترفيه فقط، في حين أن الواقع يفرض النظر إليها كصناعة قادرة على تشغيل آلاف الأسر والمساهمة بفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني والحل يبدأ بتحرير السوق من قيود الاحتكار، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في القنوات و المنصات، بما يتيح التنافس الحر، إلى جانب دور الدولة في توفير بيئة مرنة، وإزالة العقبات البيروقراطية التي تكبل أيدي الصناعة.
كما أن التوسع في التسويق العالمي وفتح قنوات تعاون مباشرة مع تلك المنصات العالمية، وتسهيل تأسيس مكاتب لها في مصر، يمثل خطوة هامة لإعادة الانفتاح على العالم، ولا يقل أهمية عن ذلك تمكين النقابة من خلال آليات عادلة لتوزيع الفرص وحماية حقوق الفنانين الذين دفعوا ثمن غياب الرؤية والتخطيط الجيد.
الأزمة الحالية ليست أزمة فنانين يبحثون عن عمل فقط، بل أزمة صناعة كامله تبحث عن هوية جديدة، و مص قادرة على استعادة ريادتها، شريطة وجود اداره واعيه توفر توسيع دائرة الإنتاج والتوزيع وتحويل الفن من مجرد ترفيه إلى مصدر دخل أساسي لصالح الوطن لا يقل أبدا عن باقي المصادر الأخرى.
في هذه اللحظة فقط يمكن للدراما المصرية أن تستعيد ريادتها وتصبح مورد اقتصادي وثقافي غني يليق بتاريخها العريق.
في النهاية يبقى السؤال: من ينقذ الدراما المصرية من موت حتمي؟


