0

السعادة  في عالمنا أخذت منحى جديد ، فربما لو سألت أحدأً عن معنى السعادة بزمن غير زماننا ،أو حياة غير حياتنا لجاءك الرد بمنتهى البساطة !أما نحن الآن وفي حياتنا الأكثر تعقيداً صرنا بحاجة لشرح  طويل ، ودراسة ممعنة ، واستشارات ممن يسمونهم مستشاري السعادة ومدربي السعادة .

والكثير من ورش ومحاضرات أصبح يروج لها من قبل دارسين لمبحث جديد يسمونه (السعادة ) مع كامل الإحترام للطالب والمطلوب و لكل من يقدّم ومن يتلقى ، ولا أعيب على أحد منهما ولكن الأمر أصبح مذهلاً فهل كان آباءنا وأجدادنا يتخيلون أن السعادة تصبح سلعة تباع وتشترى أوتصبح مطلب إجتماعي تصرف الأموال من أجل تحصيله ، وتقام الورش وتقدم المحاضرات من أجل شرحه واستحضاره ونشر الوعي به ، وليته يتحقق بهذه البساطة!

من فترة ليست ببعيدة بدأ العالم يتحرك بدراسة ما يسمونه الطاقة  الإيجابية بشتى مباحثها ،والتنمية البشرية ، وتدريب الذات وكيفية التحكم بها و…. ولا مانع في ذلك فالعلم يتقدم ،والتخصصات تتسع والفضول المعرفي لا يعاب على أحد ولكن ماهو مردود مثل هذه الدراسات على مجتمعنا بشكل فعلي !وماذا عن دارسوا هذا المبحث العلمي الفريد ! سامحوني فأنا أشعر أننا أوشكنا على بيع الهواء في زجاجات ،ولم تعد من المستحيلات كما كان يشاع من قبل.

والغريب أن تجد مئات السيدات يستهويهن مثل هذه المحاضرات والدورات ،والتي تتخرج منها مئات المتدربات وصرن بفضل هذه الدورات مدربات محترفات بشهادات موثقة ،ولكن ويا الأسف لا تجد مردود حقيقي ،وعملي على مجتمعاتنا التي صارت أكثر بؤساً من ذي قبل! حتى وجوه الأطفال أصبح يعتريها الكثير من الوجوم وقلة التفاعل وتجد التراجع واضح في مستوى الإيجابية وهذا غريب على فطرتهم ،ولكنه واقع كثيراً ما يلمسه من يحتك بهم أو يحاول أن يشاركهم لحظاتهم حتى وإن كان في أماكن الترفيه.

في الواقع أننا ابتعدنا كثيراً عن فطرتنا البسيطة وحياتنا صارت في قمة التعقيد، وازدادت الصفصتة والتفلسف ووصرنا نناقش كل شيء  ونسهب ونزايد ، ونضيع من أوقاتنا  الثمينة بلى فائدة …أعلم أن كلماتي هذه قد تثير غضب كثيرين ! وربما أتهم بالجهل والرجعية ! فشكراً مقدماً .ولكني أتفقد من حولي وأجد الأغلب في استغراق بالوحدة والإنطواء والكآبة والبعد عن الإبتسام وإفشاء السلام بل تربص دائم الانقضاض ، وتمرس في الرد اللاذع والهجوم على الغير والإبتعاد عن أمور كثيرة بسيطة من دورها أن تستدعي الراحة والإبتسام والسعادة.

فمجتمعاتنا لم تعد بقدر من الكرم والضيافة بل وقلَت فيها التجمعات العائلية التي كانت تتعالى فيها الضحكات ،وجلساتنا  مع الأصحاب والجيران وإن شحت أطفي عليها جو من التناحر أو المبالغة والتفاخر ،وربما تجد الحوار في الأغلب غائب والجميع ملتفت لرفاهية زائفة أو وجوم خلف شاشات صغيرة بأيدينا ،وبدأ الشح في المشاعر، والبخل في تقديم العون ،والحرص ،والتحفظ الشديد في العلاقات و الكثير من التراجع عندما يطالبك أحد بمساعدة أو إسداء معروف .وحتى المجاملات أصبحت ثقيله والكلمة الطيبة والإبتسام الذي لا يتكلف صاحبه سوى تحريك نواجذه صار يثير الإستغراب  فما الداعي !وهل تعرفني لتبتسم لي ! وترى هل إبتسامك هذا يخبىء غدراً أو شماته أو ربما خبثاً وتربص بالضغائن.

أطلت ولكن بقدر الحيرة التي تنتابني كلما تمعنت وجوه من حولي وحال دنيانا التي أصبحنا فيها نلهث دوماً وراء تحصيل ما لا نملك وطموحنا الزائف وراء حياة نظنها أفضل صار يؤرقنا ،ويجعلنا نفقد أحلى وأجمل متعنا البسيطة فابتعدنا عن السعادة ،والتي قد تتحقق بلى جهد منّا إذا تمعنا في النعم التي أغدقت علينا فاعتدناها ومازلنا نتطلع  للمزيد الذي ربما أفقدنا متع الحياة الحقيقية في لمتنا وتكاتفنا ومساعدتنا بعضنا البعض . وكأننا لا نرى دوما  سوى النصف الفارغ من الكوب  ،ولا نريد أن نهنأ بالنصف الممتلىء ! فرفقا بأنفسنا وحمدأً كثيراً للنعم التي أغدقت علينا ونحن مصرين على أن نتجاهلها . ورجاءً نود منكم الرفق بطفولة باتت يؤرقها اللهث وراء كل جديد بفضل آباء يركضون لتحقيق كل الأماني المادية الزائفة والتشجيع على التقليد الأعمى في عالم أصبح بلا سقف نتيجة للعولمة والإنفتاح اللا متناهي.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.