الصمت في زمن الثرثرة فالسكوت والإنصات لغة لا يتقنها إلا الناضجون

0

الصمت في زمن الثرثرة فالسكوت والإنصات لغة لا يتقنها إلا الناضجون

بقلم / نولا رأفت

في عالمٍ يزدحم بالأصوات، ويتبارى فيه الجميع للحديث وإبداء الرأي، تصبح القدرة على السكوت نعمة، والإنصات مهارة نادرة.
لم يعد الصمت مجرد غياب للكلام، بل أصبح فعلًا واعيًا، واختيارًا روحانيًا، وذكاءً لا يتقنه إلا من عرف قيمة الهدوء وسط ضجيج الحياة.
فالسكوت ليس عجزًا عن الرد، ولا ضعفًا في الحجة، بل رغبة في الحفاظ على سلام النفس، وبصيرة تُدرك أن بعض الكلمات لا تستحق الخروج، وبعض المعارك لا تستحق السقوط فيها.

عندما يكون السكوت قوة

الناس يظنون أن القوة في الصراخ والرد والانتصار بالكلمات،
لكن الحقيقة أن القوة في أن تملك القدرة على الكلام… وتختار ألا تتكلم.
الصمت في لحظة غضب هو انتصار على النفس،
والسكوت أمام استفزاز هو حكمة،
والابتعاد عن الجدال العقيم هو احترامٌ لطاقتك ووقتك.


الصمت أحيانًا يردع أكثر من الكلام، ويُربِّي أكثر من التوبيخ، ويكشف نوايا الآخرين دون تعب.

الإنصات… فنّ يعلّمك ما لا يعلّمه الكلام

كثيرون يتحدثون، قليلون ينصتون.
لكن الحقيقة أنك تتعلم من الإنصات أكثر مما تتعلم من أي حديث.
حين تُصغي جيدًا، تسمع ما بين السطور:
ترى الألم خلف الضحكة،
والخوف خلف الكلمات القوية،
والحقيقة خلف التفاصيل الصغيرة التي يقولها أحدهم دون أن ينتبه.
الإنصات يجعلنا نرى الناس بقلوبهم لا بأصواتهم، ويمنحنا قدرة على فهم العالم بعمق لا يصل إليه من يتكلم طوال الوقت.

السكوت اختبار للنضج

النضج العاطفي يظهر في اللحظة التي تختار فيها السكوت لا لأنك خسرت الكلام،
بل لأنك ربحت سلامك الداخلي.
تكتشف أن الرد على كل شيء إرهاق،
وأن إثبات الذات في كل موقف استنزاف،
وأن إسكات الجهلاء لا يتم بالكلام بل بالصمت.
الناضج لا يردّ إلا حين يكون للكلمة قيمة،
ولا يوضّح إلا حين يضمن أن التوضيح لن يُساء فهمه،
ولا يبرّر إلا لنفسه… ولا أحد غيرها.

الإنصات يمنحك حكمة

أكبر الأخطاء التي نقع فيها أننا نسمع لنردّ، لا لنفهم.
لكن حين تنصت بصدق، تنفتح أبواب الحكمة:
تفهم مشاعر الآخرين،
وتدرك أسباب تصرفاتهم،
وتتعلّم من تجاربهم.
الإنصات يمنحك رؤية أعمق للعلاقات،
ويكشف لك من يستحق قربك، ومن يستهلك طاقتك دون أن تشعر.

الصمت لغة المحبين

في الحب، ليس دائمًا الكلام هو الدليل.
أحيانًا يُثبت الصمت أعمق درجات الارتباط:
أن يجلس اثنان في هدوء ويشعران بالأمان،
أن يقول الصمت ما تعجز عنه الكلمات،
أن يكون الإنصات للطرف الآخر أبلغ من ألف رسالة.
العلاقات التي تُجيد الصمت والإنصات،
هي الأكثر نضجًا واستقرارًا.

سكوتك ليس ضعفًا… بل وعيًا

لا تظن أن سكوتك يقلل من قيمتك،
بل هو أحيانًا ما يحفظ كرامتك.
أن تسكت لا يعني أنك مخطئ،
بل قد يعني أنك فهمت حجم المعركة،
واخترت أن لا تنزل إلى مستوى لا يليق بك.
الصمت هو الرقيّ الذي يجعل صوتك أعلى من أي ضجيج

أعمق أنواع الإنصات هو الإنصات لصوتك الداخلي.
حين تصمت قليلًا، تسمع قلبك بوضوح:
ما الذي يوجعك؟
ما الذي يضيّعك؟
ما الذي تحتاجه حقًا؟
الكثيرون لا يسمعون أنفسهم لأنهم لا يتوقفون عن الكلام،
ولا يتوقفون عن الجري،
ولا يتوقفون عن الانشغال.
الإنصات للنفس هو أوّل خطوة للشفاء،
وأعمق أساس للسلام.

في النهاية…

السكوت ليس غيابًا عن العالم، بل حضورٌ بطريقةٍ مختلفة.
والإنصات ليس ضعفًا، بل حكمة لا يدركها إلا من اختبر ضجيج الحياة وتعب من الفوضى.
حين تتعلم متى تصمت، ومتى تنصت، ومتى تتكلم…
تكون قد وصلت إلى مرحلة نادرة من النضج.
فالسكوت لغة العقلاء،
والإنصات لغة الحكماء،
ومن يجيدهما… لا يخشى من ضجيج أي أحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.