كتب: هاني سليم
في زمنٍ يتسارع فيه التطور التكنولوجي بشكل غير مسبوق، أصبح الذكاء الاصطناعي لاعبًا رئيسيًا في ساحات الإبداع المختلفة، من الكتابة إلى السينما، ومن الصحافة إلى الفنون التشكيلية، ولم تكن الموسيقى بعيدة عن هذا الزحف الرقمي. وبين من يرى في الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تفتح آفاقًا جديدة، ومن يخشى أن يكون معول هدم يهدد روح الفن، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: هل سيؤثر تصنيع الأغاني بالذكاء الاصطناعي على مستقبل الموسيقيين والملحنين؟ أم أنها مجرد موجة عابرة ستنتهي؟
هذا السؤال وجّهه الكاتب الصحفي خالد فؤاد، عبر أثير إذاعة راديو أسرار المشاهير، إلى الموسيقار الكبير ماجد عرابي، الذي جاء رده حاسمًا، هادئًا، ومليئًا بالخبرة والرؤية العميقة.
الذكاء الاصطناعي لا يقصي المبدعين
منذ اللحظة الأولى، وضع ماجد عرابي الأمور في نصابها الصحيح، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لا يأتي ليقصي المبدعين أو يسحب البساط من تحت أقدامهم، بل ليؤدي دورًا جديدًا داخل منظومة صناعة الموسيقى، تمامًا كما فعلت التكنولوجيا في محطات سابقة من تاريخ الفن.
فكما لم تلغِ الآلات الحديثة دور العازف، ولم يقضِ التسجيل الرقمي على الإحساس، فإن الذكاء الاصطناعي – بحسب عرابي – هو أداة، وليس بديلاً عن الإنسان.
لاعب جديد في الملعب الموسيقي
يوضح الموسيقار الكبير أن الذكاء الاصطناعي بات اليوم قادرًا على كتابة كلمات الأغاني، وصناعة ألحان مبدئية، بل وحتى اقتراح صوت مطرب أو مطربة يناسب العمل، وهو ما كان يُعد حتى وقت قريب ضربًا من الخيال العلمي. لكن هذا التقدم، رغم ضخامته، لا يعني نهاية الملحن أو الموسيقي، بل يعكس تغيرًا جذريًا في أدوات الصناعة، لا في جوهرها.
فالأداة قد تتغير، لكن الروح تبقى إنسانية خالصة.
لم تعد المعاناة كما كانت… لكن التحدي أكبر
يتوقف ماجد عرابي عند نقطة شديدة الأهمية، حين يؤكد أن تلحين الكلمة لم يعد معاناة كما في السابق. فالتكنولوجيا الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، تساعد الملحن على توليد أفكار أسرع، وتجريب مسارات لحنية متعددة في وقت قياسي.
لكن، ورغم كل ذلك، يظل الفارق الحقيقي – كما يشدد – في الإحساس الإنساني، والخبرة المتراكمة، والقدرة على التعبير الصادق عن المشاعر. وهي عناصر لا يمكن استنساخها، ولا برمجتها، ولا تحميلها في خوارزمية مهما بلغت دقتها.
التطوير… أو الخروج من المشهد
برؤية واقعية خالية من الشعارات، يوجه الموسيقار الكبير رسالة واضحة لكل العاملين في المجال الفني:
التطوير لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية.
فكل عصر يفرض أدواته، ومن يرفضها تمامًا، أو يتعامل معها بخوف دائم، يضع نفسه طواعية خارج المشهد.
ويرى عرابي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُستخدم كوسيلة مساعدة، لا كبديل، وكجسر يعبر به الفنان إلى أفكار جديدة، لا كعكاز يتكئ عليه ويتخلى بسببه عن موهبته الحقيقية.
هل هي موضة عابرة؟
يرفض ماجد عرابي اعتبار الذكاء الاصطناعي مجرد «ترند» مؤقت أو موضة ستختفي مع الوقت، مؤكدًا أنه باقٍ ويتمدد، وسيصبح جزءًا من الواقع الفني. لكن في المقابل، يطمئن الجميع بأن تأثيره سيظل محدودًا أمام الإبداع الحقيقي.
فالأغنية التي تعيش، وتلمس القلوب، وتبقى في الذاكرة، لا تُصنع بالمعادلات وحدها، بل بالوجدان، والتجربة، والصدق، وهي قيم لا يمكن لأي آلة أن تحل محلها.
الذكاء الاصطناعي لن يقتل الموسيقى، ولن يسرق مكان الملحن أو الموسيقي، لكنه بلا شك سيعيد تشكيل صناعة الأغنية. ومن يفهم قواعد اللعبة الجديدة، ويطوّر أدواته، ويظل متمسكًا بروحه الإنسانية، سيبقى في الصدارة.
أما من يراهن على الجمود، ويرفض الاعتراف بروح العصر، فسيجد نفسه – عاجلًا أو آجلًا – خارج اللحن… وخارج الزمن.
المزيد:مصطفى شعبان فى رمضان 2026 متزوجًا من ثلاث نساء وذاكرتة مفقودة

