روماني سعد: مخرج صاحب رؤية مسرحية وفكر حداثي

المسرح هو شعاع الضمير ونهضة الأمم، هو السراج المنير
الذي يعصف بظلام المجتمع، هو المخطط الفكري الذي من
خلاله تنبثق الآمال وتنسجم بجسد الجمال، وتصنع رؤية
مختلفة وجديدة نحو أمور كثيرة ننظر لها من جوهرها الأصلي
ولا نعلم أبعادها، فيأتي فن المسرح ليقرِّب ويجسِّد لنا تلك
الأبعاد من خلال نصٍّ مكتوب بصورة جيدة ومخرج واعٍ
ودارس وعلى علم بقواعد المسرح الشقيّة وكيف يتدبر ثقل هذا
الحمل القاسي الذي يحمله ويحمل رسالته معه، فالمسرح في
الأصل هو رسالة فنية إجتماعية سياسية أيًّا كانت نوع الرسالة
التي تستقر في أعماقه ولكنها يجب أن تظهر كما يجب أن
تكون.
فالمسرح هو نهضة فنية، ثورة سياسية، قضية إجتماعية، لغة
فكرية، إختلافات عقائدية، قصة حب أبدية، مسلمات تاريخية،
وغيرها من المسارات الفكرية التي يحتضنها المسرح
ويظهرها أمام الجمهور، فجمهور المسرح هو الإطار الواقعي
أمام صورة واقعية فيجب أن يحكم المنطق أفكار الجميع.
ولا سيما بأن المسرح هو فنار فكريّ فأتذكر قول كاتب
معروف اسمه “إبراهيم البليهي” عندما قال: “بأن الرسم
تجسيد للجمال، والمسرح تجسيد للأفكار وهما معًا من أشدّ
الوسائل فاعلية في التثقيف والتنوير”.
أي أن اللوحات المرسومة هي جزء من المسرح الذي يهبه
الجمال والجمال هو فكرة تُجسَّد، لها منظور واقعي ومنطقيّ
حتى في أنواع المسرح الخيالية، فالمسرح شهد أعظم مراحل
التنوير في التاريخ القديم والحديث معًا.
ويا حبذا لو كان الممثل مخرج مسرحي ومؤلف أيضًا فهنا
تتلاقى أيقونة من الجمال التي قادرة أن تبهرنا وتعطي لنا
المزيد من الدقة والمتعة خاصةً إذا كان العامل هو نفسه
الصانع هو نفسه الرسام والمخطط وهو المحرك لِمَ يريده
فلعلنا وقتها نجد أنفسنا أمام عاصفة فكرية داخل لوحة تشكيلية
جميلة للوحة متحركة وناطقة تجسِّد شيء ما في المجتمع أو
فكرة ما صعبة الترجل وصعبة الاستيعاب.

روماني سعد رؤية ونشأة
نسلط الضوء اليوم على موهبة جديدة مزجت بين الإخراج
والتمثيل والكتابة، التزمت بالقراءة والدراسة، لم ترغب مثل
غيرها بأن تكون شخصية عشوائية تقدم الهواية وتتجنب
الموهبة، ففرق شاسع بين الهواية والموهبة، فلسفيًّا الهواية
هي مجال أو قدرة ما معينة قادر أن أفعلها دون وعي ودون
ثقافة ودون دراسة؛ فتتجه إلى مسار العشوائية، أما الموهبة
هي ذات القدرة أو الفعل نفسه في الهواية ولكنها مجمَّلة بالفهم
والإدراك والدراسة؛ مما يجعلها تسلك مسار الاحترافية.
نشأته
روماني سعد مخرج وممثل وكاتب شاب في الثلاثينات من
عمره، يحمل فكرة قادته إلى تجسيد الواقع ورصد خفايا
المجتمع وقصصه المأساوية منها، فهو من مواليد روض الفرج
من عام 1985م، فبرغم طفولته التي اتخذت الطبيعة أو النشأة
التقليدية الذي عاش فيها لفترات طويلة من حياته دون هدف
واضح أو موهبة ظاهرة، ولكن طوال هذه المرحلة السابقة في
طفولته كان يحب الفن، يحب مشاهدة الأفلام لفترات طويلة،
ولم يكن يعلم أن الحياة ستعده وستختاره في يوم ما بأن يحمل
رسالة فنية.

بداياته الفنية
من أفلام اسماعيل يس إلى إبداعات محمد صبحي ومن وجهة
نظر بنى وجهة نظره، ونحن نعلم بأن الصدمة قادرة أن تظهر
الجواهر الخفية، فمثله مثل أي فتى في مقتبل عمره تعرض
لقصص عاطفية لم يستطع التعبير عنها سوى بالكتابة فكان
يصرّ بأن يكتب حتى لو كانت كتاباته غير دقيقة أو موزونة
ولكن كل ما كان يرغب به هو أن يخرج ما داخله في صورة
محكمة فبدأ الطريق في الكتابة، وبرغم أنه لم يمتلك أساسياتها
في البداية ولكنه كان على يقين في يوم بأن سيثمر هذه
الموهبة.
لم يكن يعلم روماني بأن حبه للتمثيل سينمو داخل منه ويكبر
حتى يحوذ على مكانة كبيرة داخل قلبه وعاطفته، ويتملك
تفكيره، حتى وصل إلى أواخر المرحلة الجامعية وتحديدًا في
السنة الثالثة وقبل الأخيرة فانضم لفرقة المسرح في إحدى
الكنائس واستطاع من خلالها أن يتدرج في قامته الفنية،
صحيح بأنه التزم في البداية بأدوار صغيرة جدًّا ولكن قادته
هذه الأدوار بأن يتقنها بصورة كبيرة حتى تدرج وصار يأخذ
أدوار أكبر حتى أصبح مُخرجًا لهذا الفريق والمسؤول عنه
أيضًا.
تحولاته الدراسية في المسرح
عانى سعد في المسرح عن ما يجب أن يكونه، هل يظل ممثلاً
أم مخرجًا أم كاتبًا؟ فقرر أن يجمع بين الثلاثة نظرًا لأنه تطلع
بأن يكتب برؤية إخراجية، ولكنه كان عليه حمل المسؤولية
وتغيير الهواية إلى موهبة، تختزن داخلها الإرادة وترتكز على
الدراسة والفهم، فقرر أن يقرأ كتاب للدكتور سعد أردش اسمه
“الإخراج المعاصر” حتى يبني وجهة نظر أكثر فهمًا عن
الإخراج وأشمل وضوحًا، فلم يكتفِ بذلك وقرر بأن يتجه
للكورسات الشبه أكاديمية التي يستطيع من خلالها تنمية ذاته
وموهبته ويهبها الثقل المطلوب، فأخذ كورس عن الإخراج
وكورس عن التمثيل في مركز تابع لأسقفية الشباب، وذلك
بخلاف تطلعاته ورحلة بحثه في الإنترنت والدراسة من خلاله
في أمور كثيرة حول الإخراج المسرحي، فاستطاع أن يعلم
نفسه بنفسه ويكون أكثر دراية بأنواع المسرح الذي قرر بأن
يعطيه الكثير من وقته ويعطيه حقه في البحث والدراسة، حتى
يستطيع أن يقود الفريق الذي يرأسه، فتعرف روماني سعد
على أنواع المسرح وصفاته مثل المسرح التجريبي، والمسرح
الكلاسيكي، والمسرح الواقعي ومسرح الفانتازيا، واستطاع أن
يتعلم كيفية الوزن المسرحي وماهيات السينوغرافيا، وظل
يشاهد الكثير من المسرحيات وينقدها حتى يستطيع أن يتعرف
على أدق تفاصيل العمل المسرحي الذي يريدها حتى أصبح
متمرسًا من أمره.
أعماله المسرحية
جمع روماني بين الكتابة والتأليف والتمثيل معًا فحمل رؤيته
الإخراجية في الكتابة وقام بكتابة مسرحيته الأولى وهي أول
عمل يقوم بتجسيده على المسرح بعنوان “عريس وعروسة”
وذلك في عام 2009 تقريبًا، والتي كانت تدور فكرته حول
الخلاص والقدرة على التغيير في حياة الإنسان وأن التجارب
الشديدة قادرة بأن تغيِّر حياة الإنسان وربما تستطيع نقله من
أقصى درجات الشر إلى أعمق حياة الصلاح والخير، وكانت
النهاية بأن أبطال المسرحية قد ماتوا ووصلوا إلى السماء بعد
معاناة صعبة في حياتهم.
أخرج روماني سعد في الفترة ما بين عام 2009 إلى عام
2019 ما يقرب من 25 عمل مسرحي قام بكتابة أغلب
نصوصها بما يقرب من 10 نصوص وقام بالتمثيل في الكثير
منها.
وأبرز هذه المسرحيات التي قام بتأليفها وإخراجها مسرحية
الدار، وعريس وعروسة، وست الكل، والسرداب، وكراكيب،
وفي بيتنا شبح الذي اقتسبها من أعمال لينين الرملي وأعاد
صياغتها وقام بمعالجتها دراميًّا وأطلق عليها “الشبح”.
الجوائز التي حاز عليها
حاز روماني سعد على الكثير من الجوائز مثل جائزته عن
المسرح الأسود، وكذلك جائزة عن مسرحية كراكيب والتي
كانت تناقش مشاكل الشباب في هذا الجيل وكيف تستطيع
المشاكل والصعوبات أن تجعل من الإنسان آلة يفقد من خلالها
الكثير من متع الحياة وتسرق منه أشياء مهمة أهمها قربه من
الله ونسيانه الزواج حتى يصطدم بعد زمن بأنه تقدم في السن
وسُرق منه عمره دون تحقيق شيء.
كما حصل أيضًا على جائزة في المونو دراما من تأليفه
وإخراجه وذلك في عام 2016 عن قصة امرأة مرضت أمها
فلم تجد أمامها وهي وحيدة سوى أن تنزل إلى الشوارع وتعمل
في أعمال غير مرحب بها في نظرة المجتمع العربي حتى
تستطيع أن تعالج والدتها المريضة، فابتاعت الورد والمناديل
في إشارات المرور، وأعدت الشاي لعابري الطرقات،
وغيرها من الأعمال التي لا يرضى المجتمع عنها وعندما
أكملت فلوس العلاج التي تحتاجها والدتها فوجئت عند ذهابها
إلى البيت بأنها قد ماتت، فذهبت حتى تكشف وجه أمها من
خلف الملاءة الملفوفة بها وجدت أمها عبارة عن علم مصر،
وكان هذا المونو دراما يناقش ملحمة وطنية قصيرة ومهمة
والتي تسلط رسالة هامة من المواطن تجاه بلده.
كما حصل أيضًا في عام 2017 على جائزة عن مسرحيته ست
الكل والتي يربط بها فكرة الأم بالكنيسة وأن الكنيسة بمثابة أم
عظيمة من خلالها تحل مشاكل كثيرة وواهبة للاطمئنان
والمحبة الكبيرة.




