ريهام عبد الغفور ترسم «خريطة رأس السنة» إلى قلب الإنسان… سينما إنسانية تكسر الصور النمطية

0

ريهام عبد الغفور ترسم «خريطة رأس السنة» إلى قلب الإنسان… سينما إنسانية تكسر الصور النمطية وتعيد تعريف البطولة

بقلم _ أمجد زاهر 

 

في لحظة فارقة من مسيرتها الفنية، تعود ريهام عبد الغفور لتؤكد أنها ليست مجرد نجمة تبحث عن حضور أو تصدر، بل فنانة تختار معاركها بعناية، وتغامر بمناطق شائكة إنسانيًا وجماليًا.

فيلم «خريطة رأس السنة» لا يمكن التعامل معه كعمل درامي تقليدي، بل بوصفه تجربة سينمائية إنسانية عميقة، تضع ذوي متلازمة داون في قلب الحدث، لا كقضية تُناقَش من الخارج، بل كأبطال يمتلكون الحلم والقرار والقدرة على قيادة الرحلة.

 

منذ مشاهده الأولى، يعلن الفيلم انحيازه الواضح لفكرة كسر الوصاية.

الطفل «شريف» ليس مادة شفقة ولا رمزًا دراميًا للاستهلاك العاطفي، بل هو المحرك الأساسي للأحداث، صاحب الخيال الواسع، والمبادر الذي يرسم خريطته الخاصة للعالم، حرفيًا ومجازيًا.

هذه الخريطة، التي قد تبدو للوهلة الأولى لعبة طفولية، تتحول إلى لغة بديلة للتواصل، وأداة لتنظيم عالم اهتز بعنف بعد فقدان الأب. إنها وسيلته لفهم الفوضى، وللبحث عن الأمان، وعن الأم الغائبة في فرنسا.

 

هنا تظهر ريهام عبد الغفور في دور «حبيبة»، العمة التي تجد نفسها فجأة في مواجهة مسؤولية أكبر من قدرتها النفسية والجسدية.

أداؤها يقوم على التلقي لا السيطرة، وعلى الاحتواء لا الإرشاد المباشر.

هي «البطل الموازي» الذي يتشكل على إيقاع الطفل لا العكس. شخصية مثقلة بالفقد، تعاني من شعور داخلي باللاجدوى، لكنها تدخل رحلة أوروبا لتكتشف أن العلاج الحقيقي لا يأتي من القوة، بل من الصدق الفطري الذي يحمله هذا الطفل.

الفيلم يقلب المعادلة التقليدية: الطفل لا يحتاج من ينقذه، بل هو من ينقذ البالغ من قسوته الداخلية.

ريهام عبد الغفور ترسم «خريطة رأس السنة» إلى قلب الإنسان… سينما إنسانية تكسر الصور النمطية
ريهام عبد الغفور ترسم «خريطة رأس السنة» إلى قلب الإنسان… سينما إنسانية تكسر الصور النمطية

اختيار أوروبا كمسرح للأحداث لم يكن قرارًا سياحيًا أو بصريًا فقط، بل يحمل دلالة نقدية واضحة.

في شوارع براغ، ومحطات قطارات بودابست، وأضواء الكريسماس في مدن الغرب، يضعنا الفيلم أمام مقارنة غير مباشرة بين مجتمعات دمجت ذوي الهمم في الحياة اليومية، وأخرى ما زالت تنظر إليهم كاستثناء.

المكان هنا ليس خلفية محايدة، بل عنصر درامي فاعل، يحرر الشخصيات من الوصمة، ويكشف هشاشة أحكامنا المسبقة.

 

إخراجيًا، يقدّم رامي الجندي رؤية ناضجة تعتمد على ما يمكن تسميته بـ«الواقعية السحرية».

الكاميرا ليست مراقبًا محايدًا، بل شريكًا في الرحلة. استخدام اللقطات القريبة جدًا على ملامح الطفل، خاصة العينين واليدين أثناء رسم الخريطة، يمنحنا فرصة نادرة للدخول إلى عالمه الداخلي.

أما اللقطات المقلوبة، التي ظهرت في مشاهد المدينة، فتمثل ذروة الرمز البصري: العالم يبدو مقلوبًا لأننا ننظر إليه بمنطقنا المشوّه، بينما رؤية الطفل، رغم اختلافها، هي الأكثر استقامة وصدقًا.

 

حركة الكاميرا تتأرجح بذكاء بين الانسيابية والاضطراب. لقطات الدرون الواسعة تعكس إحساس التحرر والانطلاق، بينما الكاميرا المحمولة في الزحام تترجم القلق والتحدي الجسدي الذي تعيشه «حبيبة» وهي تحاول حماية الطفل في عالم غريب.

أما لقطات التتبع، التي تلاحق الطفل في ركضه واكتشافه، فتصنع إحساسًا بأن المشاهد نفسه جزء من الرحلة، رفيق ثالث يتعلم ويكتشف.

 

على المستوى البصري، يعتمد الفيلم لوحة ألوان دافئة ترتبط برأس السنة: الأحمر، الأخضر، والذهبي، في مواجهة إضاءة زرقاء باردة في لحظات الحزن والبوح.

هذا التباين يعكس الصراع الداخلي بين الفقد والأمل.

كما أن دمج الرسوم المتحركة في الخريطة يمنح الفيلم روح الحكاية الخرافية، دون أن يفقد واقعيته الإنسانية.

 

«خريطة رأس السنة» ينتمي بوضوح إلى ما يمكن تسميته بـسينما التغيير الاجتماعي، لكنه يفعل ذلك دون شعارات مباشرة أو خطاب تعليمي ثقيل.

قوته تكمن في بساطته وصدقه، وفي قدرته على مخاطبة العائلة، لا النخبة فقط. هو فيلم «دافئ»، يعيد الاعتبار للسينما  التي تلمس القلب قبل العقل، وتفتح بابًا للتأمل في معنى الوقت، والعائلة، والاختلاف.

 

ريهام عبد الغفور، بهذا الدور، تؤكد مرة أخرى أنها ممثلة لا تخشى الأدوار الصعبة، ولا تبحث عن البطولة المطلقة بقدر بحثها عن الأثر.

أما الطفل «شريف»، فيبدو أنه سيكون مفاجأة الموسم الحقيقية، ليس بموهبته فقط، بل بما يحمله من قدرة فطرية على تذكيرنا بأن العالم يمكن أن يكون أبسط، وأصدق، وأكثر إنسانية.

 

في النهاية، «خريطة رأس السنة» ليست خريطة للطرق ولا للمدن، بل خريطة للقلب.

فيلم يدعونا لأن نعيد النظر، وأن نجرؤ على رؤية العالم بعيون لا تعرف الكراهية ولا الوصم، بل تعرف فقط كيف تحلم، وكيف تبحث عن الأمان وسط عالم مضطرب.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.