مع اقتراب الموسم الرمضاني كل عام، تتحول الساحة الفنية إلى حلبة سباق شرس، ليس على مستوى جودة المحتوى أو تميز الأداء الفني، بل في لعبة الأرقام و المشاهدات الرقمية التي تتصدر المشهد بمجرد طرح البروموهات الدعائية.
بقلم ريهام طارق
وتظهر فجأة أرقام خيالية تتجاوز العشرين والثلاثين مليون مشاهدة، و كأن الجمهور العربي بأسره لا يشغله سوى متابعة المسلسلات المصرية.
لكن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي معيارًا حقيقيًا لقياس النجاح الفني؟ وهل يكفي مجرد برومو ترويجي للحكم على جودة العمل؟ الواقع يشير إلى أن هذه الأرقام ليست سوى أداة تسويقية مدفوعة، تهدف إلى تضخيم قيمة أعمال قد لا تكون قد عُرضت بعد أو تفتقر إلى مقومات المنافسة الحقيقية.
اقرأ أيضا: “عيونه هدمع” تحرق السباق الرمضاني مبكرا بـ 10 ملايين مشاهدة في 24 ساعة
التسويق الرقمي بين الواقع والتضليل:
في السنوات الأخيرة، لم يعد نجاح الأعمال الدرامية مرهونًا بجودة السيناريو أو براعة الأداء التمثيلي أو تميز الإخراج، بل بات مرتبطًا بحجم التفاعل الرقمي المصطنع، واستراتيجيات التسويق الحديثة باتت تركز على التلاعب بخوارزميات المنصات الرقمية، عبر حملات مدفوعة واستخدام الروبوتات الإلكترونية لرفع نسب المشاهدات والتفاعل الزائف والنتيجة؟ تضليل جماعي يُجبر المشاهد على الانخراط في موجة اهتمام بأعمال قد لا يكون قرر حتى متابعتها.
اقرأ أيضا: ريهام طارق تكتب: الدراما التلفزيونية تحتضر.. و نجوم يقتلون الإبداع بالتكرار!
الدراما التلفزيونية بين الإبداع والمزاد العلني:
لطالما كانت الدراما انعكاسا للواقع و مصدرًا للمتعة والثقافة، لكنها اليوم انحرفت عن دورها الأساسي، لتتحول إلى سوق مزادات، حيث يتنافس المنتجون ليس على جودة المحتوى، بل على تصدر قوائم الترند، حتى لو كان ذلك على حساب القيمة الفنية والإبداعية ورغم وجود أعمال جادة استطاعت فرض نفسها بفضل قوة الأداء والإخراج المتميز، إلا أن الضجيج الرقمي المصطنع كثيرًا ما يُشوّش على التقييم الحقيقي، ليصبح النجاح مرهونًا بعدد المشاهدات المليونية، التي قد تكون مدفوعة، بدلًا من جودة العمل ومدى تأثيره العميق في الجمهور.
اقرأ أيضا: ريهام طارق تكتب: الدراما الرمضانية.. بين التكرار والتجديد في السباق المنتظر 2025
المشاهد العربي: وعي متزايد في مواجهة الخداع الرقمي
لكن احذر أيها الصانع، فـ المشاهد العربي اليوم أصبح أكثر وعيًا، ولم يعد يسهل خداعه بالأرقام الوهمية والتفاعل المزيف، بل بات يبحث عن محتوى يستحق وقته ويترك أثرًا حقيقيًا في وجدانه. فلم يعد معيار النجاح الحقيقي هو عدد المشاهدات بقدر ما هو مدى تأثير العمل وقدرته على البقاء في ذاكرة الجمهور.
في نهاية المطاف، الدراما التلفزيونية ليست مجرد أرقام تُتداول في سوق المشاهدات الوهمية، بل هي منتج ثقافي وفني يجب أن يُقيَّم بمعايير الجودة والاحترافية.
وعلى صناع الدراما أن يدركوا أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهدات، بل بمدى تأثير العمل وقدرته على ترك بصمة في وجدان المشاهدين، فكم من أعمال تصدّرت المشهد لحظيًا ثم تلاشت سريعًا، وكم من إنتاجات لم تحظَ بضجة تسويقية، لكنها ظلّت خالدة في ذاكرة الجمهور؟ الفرق الحقيقي لا يكمن في الأرقام، بل في صدق المحتوى وقيمته الإبداعية.

