صلاح السعدني: العمدة الذي أسر قلوب المصريين والعرب بأدواره وأعماله الخالدة

0

صلاح السعدني.. عمدة الدراما المصرية ورمز الفن الأصيل

كتب باهر رجب

من كفر القرينين إلى قلوب الملايين.. رحلة نصف قرن من العطاء

ولد صلاح الدين عثمان إبراهيم السعدني في 23 أكتوبر عام 1943 بقرية كفر القرينين التابعة لمحافظة المنوفية، لأسرة متواضعة الحال تنتمي إلى جذور ريفية عميقة. كان ميلاده في بيئة شعبية بسيطة، حيث انتقلت الأسرة لاحقا من القرية إلى حارة “سمكة” بمحافظة الجيزة، لينشأ في وسط شعبي تقليدي امتزج فيه الفلاحون و الصنايعية، وهي البيئة التي استقى منها لاحقا ملامح شخصياته الفنية المميزة.

دور الأخ الكبير في تشكيل وعي صلاح السعدني

كان للكاتب الصحفي الساخر محمود السعدني، شقيق صلاح الأكبر بستة عشر عاما، دور محوري وفارق في حياته. لم يكن محمود مجرد شقيق أكبر، بل قام بدور الأب الروحي والموجه رغم وجود والدهما حيا، حيث تولى مسؤولية تربية صلاح الصغير وأشرف على جميع تفاصيل حياته، من الذهاب للمدرسة إلى الطعام والملبس، وصولا لأدق التفاصيل.

قال صلاح عن أخيه في ندوة تكريمية: “محمود ليس مجرد أخ، هو مصر بالنسبة لي.. هو الحارة بجمالها وسحرها و صخبها و تناقضاتها.. هو الناس بأحلامهم وآمالهم و أحزانهم و عذابهم.. محمود هو مصر كلها”. وفي المقابل، كتب محمود السعدني عن شقيقه الأصغر في كتابه “المضحكون”: “صلاح السعدني ممثل موهوب وحساس ولا بد أن يشق طريقه يوما إلى القمة”.

كان لمحمود تأثير عميق في تشكيل وعي صلاح الثقافي والسياسي، حيث اصطحبه إلى مقهى “محمد عبد الله” في ميدان الجيزة، الذي كان يجتمع فيه كبار الأدباء والشعراء مثل كامل الشناوي وعبد الرحمن الخميسي و زكريا الحجاوي ونعمان عاشور ويوسف إدريس. هذا التجمع الأدبي الرفيع شكل شخصية القارئ والمثقف والفنان الواعد الواعي صلاح السعدني.

 

النشأة والتعليم و البدايات الفنية

بدأت موهبة صلاح التمثيلية بالظهور منذ أيام المدرسة، حيث نشط في المسرح المدرسي خلال فترة دراسته في مدرسة “السعيدية” الثانوية، وظلت لخشبة مسرح هذه المدرسة هيبة خاصة في نفسه، حتى أنه عندما عاد للوقوف عليها بعد أن صار فنانا محترفا، شعر بنفس الإحساس القديم كتلميذ قلق يخوض التجربة لأول مرة.

اكتشاف الموهبة بالمصادفة

اكتشفت موهبة صلاح السعدني المسرحية بالمصادفة حين كان تلميذا في المدرسة السعيدية الثانوية، وكان يرافق أخاه الأكبر لمشاهدة مسرحية “عزبة بنايوتي” التي كتبها محمود. وعندما اعتذر الممثل أبو الفتوح عمارة عن العرض، تقدم صلاح الصبي مؤكدا أنه يحفظ الدور كاملا بكل أدواره وحركة الممثل على المسرح. أدهش أداؤه المخرج عبد الرحمن الخميسي الذي طلب من شقيقه السماح له بالاستمرار في التمثيل، لكن محمود رفض خوفا من تأثير الانشغال بالتمثيل على دراسة أخيه .

بعد حصوله على الثانوية العامة، التحق بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، رغم عدم رغبته الأولية في هذا التخصص. لكن القدر كان له بالمرصاد، حيث التقى في الكلية بزميل الدراسة عادل إمام، الذي كان يكبره بعامين وكان رئيساً لفرقة التمثيل الجامعية.

روى صلاح السعدني كيف كانت محاولته الأولى للانضمام لفريق التمثيل في المدرسة الثانوية قد فشلت بسبب ضعف بنيته الجسدية وقتها، لكن في الجامعة قرأ إعلانا عن فريق التمثيل وأن المقابلة ستكون مع رئيس الفرقة عادل إمام. وفي هذا اللقاء الأول، كانوا يعملون على مسرحية عن رواية “ثورة الموتى”، وكان هناك منافسة قوية بينه وبين أحد الطلاب القدامى، لكن عادل إمام أعطى الدور لصلاح قائلاً له: “يا صلاح إنت اللي هتعمله”، وكان ذلك اليوم الوحيد الذي قال فيه صلاح لعادل “متشكر يا أستاذ عادل”.

تخرج صلاح السعدني من كلية الزراعة حاصلا على درجة البكالوريوس، وكان من زملاء دفعته الفنان عادل إمام ورئيس وزراء سوريا السابق محمود الزعبي.

 

الصداقات الفنية التي شكلت مسيرته

 

صداقة العمر مع عادل إمام

جمعت صلاح السعدني وعادل إمام صداقة استثنائية بدأت من أيام كلية الزراعة واستمرت حتى رحيل السعدني. وصف عادل إمام صداقته بصلاح السعدني بأنها “صداقة العمر”، لأنها نشأت وهم في سن صغيرة وقبل عملهم بالفن من الأساس.

قال صلاح في لقاء تليفزيوني نادر مع الإعلامي مفيد فوزي: “محتاج أكتر من 4 ساعات كمقدم برنامج تليفزيوني علشان أتكلم على عادل إمام، اللي للوهلة الأولى حينما التقينا شعرت أنه فنان وممثل كبير وكنا وقتها لا نزال في كلية الزراعة”.

كان لعادل إمام دور حاسم في إنقاذ صلاح من مصير مظلم، حيث نصحه بالتركيز على الفن والابتعاد عن السياسة. قال صلاح: “الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنه لولا عادل إمام، ربما كنت حاليا في السجن أو زعيما سياسيا.. لا أعلم.. ولكن الغالب أنني كنت سأكون في السجن”.

جمعهما أيضا الفنان الراحل سعيد صالح، حيث كونا الثلاثة “شلة” فنية متماسكة منذ أيام كلية الزراعة، وأطلق عادل على صلاح وسعيد وصف “أصدقاء العمر والشقاء والنجاح”. ورغم أن عادل وسعيد فشلوا جميعا في امتحان القبول بمعهد الفنون المسرحية، إلا أنهم شقوا طريقهم بنجاح من خلال أعمالهم.

علاقة حميمة مع نور الشريف

كانت صداقة صلاح السعدني بالفنان الراحل نور الشريف من أقوى الصداقات في الوسط الفني، حيث امتدت لأكثر من 40 عاما. التقيا في البدايات و عاصرا سويا السعي وراء موهبتيهما، وعاشا أحلاما وردية معا في أوقات لم يكونا فيها يملكان قوت يومهما.

روى نور الشريف في لقاء تليفزيوني نادر جمعه بصلاح السعدني موقفا مؤثرا يؤكد صفاء قلب السعدني وخلوه من الغيرة. قال نور: “وأنا طالب في سنة أولى بالمعهد، اشتغلت ورا صلاح السعدني في سهرة الامتحان، مسلسل لا تطفئ الشمس، قلت فيه جملة واحدة و غلطت وأنا بقولها”. لكن بعد ذلك اختاره المخرج حسن الإمام للمشاركة في أحد أفلامه، وأصبح نور أكثر شهرة من صلاح الذي كان قد سبقه في دخول المجال الفني.

أضاف نور: “عمره ما غار مني، ولما اتعرض فيلم السراب، يوم ولحظة أتمنى أنها تتكرر مع زملاء الأجيال الجديدة، هذه اللحظة كانت ميلاد للعلاقة الأبدية بيني وبين صلاح، كنا ساكنين في شقق مفروشة مقابلة لبعض، ووجدته يقول لي إنه عازمني على الطعام احتفالا بنجاحى، (عازمك بس مش معايا فلوس هناكل شكك)، واحتفل بيا احتفال لم أنسه مدى حياتي”.

جمعهما أيضا التلاقي الفكري والسياسي، حيث قال السعدني لنور في أحد اللقاءات: “نحن أبناء ثورة 23 يوليو ونؤمن بعروبة مصر وقومية هذه المنطقة العربية”، وهذه الجملة تلخص الخلفية السياسية والفكرية التي أتيا منها.

صداقات أخرى مميزة

ارتبط صلاح السعدني بعلاقة صداقة قوية مع الفنان يحيى الفخراني، حيث جمعهما مسلسل “ليالي الحلمية” الذي شكل علامة فارقة في تاريخهما الفني. كانت آخر مكالمة بينهما قبل مهرجان الدراما، حيث اعتذر السعدني عن الحضور بسبب ظروفه الصحية، فتسلم الفخراني الجائزة نيابة عنه و أرسلها له.

كما ارتبط بصداقة مع الفنانين أبو بكر عزت وعبد الله فرغلي، حيث جمعتهم أعمال فنية عديدة وصداقة حميمية استمرت لسنوات طويلة.

مسيرة فنية حافلة بالإنجازات

البدايات التلفزيونية

كانت أول مشاركة درامية لصلاح السعدني عام 1960 في مسلسل “لا تطفئ الشمس”، ثم مسلسل “الضحية”. وفي الحقيقة، كان أول عمل له هو مسلسل “الرحيل” عام 1960، لكنه غاب عن التمثيل أربع سنوات كاملة ليعود عام 1964 في مسلسل “الضحية”.

الأعمال المسرحية

رغم عشقه الشديد للمسرح، إلا أن صلاح السعدني قدم خمس مسرحيات فقط خلال مسيرته، هي: “الناصر صلاح الدين”، “ثورة الموتى”، “الملك هو الملك”، “باللو باللو”، و”زهرة الصبار”.

كان من أهم أدواره المسرحية شخصية “أبو عزة المغفل” في مسرحية “الملك هو الملك” للمخرج الكبير مراد منير مع فرقة المسرح الحديث، ودوره في مسرحية “اثنين في قفة” لفرقة الفنانين المتحدين، وشخصية حمدي في مسرحية “الدخان”.

عام 1964 شارك في مسرحية “لوكاندة الفردوس” حيث لعب دور صبي الفندق، وكانت هذه البداية الفعلية لحياته المسرحية. في السبعينيات، شارك في عدة مسرحيات منها “معروف الاسكافي” 1966، “مسحوق الذكاء” 1967، “السكرتير الفني” 1968، “نجمة نص الليل” 1972، “حب و فركشة” 1974، و”العمر لحظة” 1974 التي عاد بها للمسرح بعد فترة المنع.

الأفلام السينمائية

شارك صلاح السعدني في حوالي خمسين فيلما سينمائيا، لكنه لم يلمع في السينما كما لمع في التلفزيون. من أهم أفلامه السينمائية: “الأرض”، “أغنية على الممر”، “الرصاصة لا تزال في جيبي”، “مدرستي الحسناء”، “اليوم السادس”، “قضية عم أحمد”، “ملف في الآداب”، “فتوة الناس الغلابة”، “ليل وخونة”، “درب الرهبة”، “إنهم يقتلون الشرفاء”، و”حاتم وبلاء”.

كان فيلم “الأرض” و”أغنية على الممر” من بين أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

الدراما التلفزيونية: الملعب الأثير

كانت الدراما التلفزيونية هي الساحة التي تألق فيها صلاح السعدني بشكل استثنائي، حيث قدم أكثر من 30 مسلسلا تلفزيونيا شكلت بصمات خالدة في تاريخ الدراما المصرية.

من أبرز أعماله التلفزيونية:

– “ولسه بحلم بيوم” (1981)

– “وقال البحر” (1982)

– “يوميات جاب الله” (1983)

– “في قافلة الزمان” (1984)

– “يوميات نائب في الأرياف” (1985)

– “ينابيع النهر” (1986)

– “هذا الرجل” (1987)

– “ليالي الحلمية” (بأجزائه الخمسة: 1987-1992)

– “قصر الشوق” (1988)

– “الرحاية” (1989)

– “أرابيسك” (1994)

– “ليالي الحب والثأر” (1994)

– “سنوات الغضب” (1996)

– “حلم الجنوبي” (1997)

– “سنوات الشقاء والحب” (1998)

– “أهل الدنيا” (2001)

– “شعاع من الأمل” (2002)

– “الناس في كفر عسكر” (2003)

– “رجل في زمن العولمة”

– “للثروة حسابات أخرى” (2005)

– “حارة الزعفراني” (2006)

– “نقطة نظام” (2007)

– “الباطنية” (2009)

– “بيت الباشا” (2010)

– “الإخوة الأعداء” (2012)

– “القاصرات” (2013)

الأدوار المميزة التي خلدته

العمدة سليمان غانم في “ليالي الحلمية”

تعد شخصية “العمدة سليمان غانم” في مسلسل “ليالي الحلمية” بأجزائه الخمسة هي الشخصية الأبرز والأشهر في مسيرة صلاح السعدني الفنية. هذا الدور الذي منحه لقب “عمدة الدراما المصرية“، والذي ترسخت من خلاله صورته في أذهان الجمهور العربي بأكمله.

المفارقة أن صلاح السعدني لم يكن المرشح الأول لهذا الدور، بل كان الفنان الراحل سعيد صالح هو المرشح الأول، لكنه تعذر عليه القبول بسبب ضيق وقته، فتم الاستعانة بصلاح السعدني الذي قدم دويتو فنيا ناجحا على المستوى النقدي والجماهيري مع الفنان يحيى الفخراني.

تدور أحداث المسلسل حول الصراع بين سليم البدري (يحيى الفخراني) والعمدة سليمان غانم (صلاح السعدني)، واستفادة نازك السلحدار (صفية العمري) من هذا الصراع بما يخدم أهدافها الخاصة. جاء سليمان غانم من الأرياف للثأر لوالده عبد التواب غانم الذي مات في السجن بسبب إسماعيل البدري والد سليم، وبدأت المواجهة بينهما عندما قام سليمان بشراء أسهم في مصنع سليم البدري للمنسوجات.

حسن النعماني في “أرابيسك”

كان مسلسل “أرابيسك” (1994) من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج جمال عبد الحميد علامة مميزة أخرى في مشوار صلاح السعدني. جسد فيه شخصية “حسن فتح الله النعماني”، فنان الأرابيسك المصري الذي تعرض لأحداث أفقدته توازنه فأهمل عمله و ورشته، لكنه في نفس الوقت كان محافظا على فنه الذي أحبه وورث مهارته فيه من أجداده.

القصة المثيرة وراء هذا المسلسل أن الفنان عادل إمام كان المرشح الأول للبطولة بعد اتفاق بينه وبين الكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، لكن تباينا في وجهات النظر حدث بسبب تمسك عكاشة الشديد بنصه ورفضه القاطع لأي تعديل عليه، بينما لم يجد عادل إمام في النص ما يتوافق مع تصوراته للشخصية، فتقرر إسناد الدور لصلاح السعدني الذي قدّم الشخصية بانسجام تام مع الرؤية الفنية للنص.

شارك السعدني في المسلسل الفنانة هالة صدقي، و شكلا ثنائية جميلة من خلال علاقة الشد والجذب والحب والفراق بين شخصيتي “حسن أرابيسك” و”توحيدة”، فأحب الجمهور هذه الثنائية وتعلق بها كثيرا.

حدثت مفارقة طريفة عند عرض الحلقة الأخيرة، حيث أصيب الجمهور العربي خارج مصر بخيبة أمل كبيرة لأن قصة الحب لم تكتمل ولم يتزوج “حسن و توحيدة”. وبما أن الحلقات كانت تعرض في مصر متأخرة عن بقية الدول بيوم واحد، كان القرار العاجل من المخرج وصناع المسلسل أن يتم تدارك الموقف وتغيير نهاية المسلسل، فتم بشكل طارئ وعاجل تصوير مشهد إضافي لكل من “حسن” و”توحيدة” وهم في الحارة وقد تزوجا و أنجبا بنتا اسمها “دنيا”.

شخصيات مميزة أخرى

قدم صلاح السعدني في مسلسل “الباطنية” (2009) دور الحاج إبراهيم العقاد، تاجر المخدرات الذي يمتلك مكانا مغلقا للخشب كستار لتجارته، في عمل درامي اجتماعي مؤثر شاركته فيه الفنانة لوسي وغادة عبد الرازق.

 

وفي مسلسل “الإخوة الأعداء” (2012) جسد دور “سيد”، في عمل يناقش قضية الفساد من خلال إلقاء الضوء على حياة رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة وصلته برجال الدولة، شاركه البطولة ياسر جلال وفتحي عبدالوهاب.

أما آخر أعماله فكان مسلسل “القاصرات” (2013)، حيث جسد شخصية “عبد القوي الأدهم النجعاوي”، العمدة السبعيني الذي هوايته الزواج بالفتيات القاصرات، في عمل أثار جدلا واسعا حول قضية زواج القاصرات.

 

الحياة الشخصية والعائلية

الزواج والأبناء

تزوج صلاح السعدني مرة واحدة في حياته من السيدة منى، وهي من خارج الوسط الفني. وعلى عكس الكثير من الفنانين، كان منزل صلاح السعدني هادئا و محافظا، بعيدا عن الضجيج والخلافات.

أنجب صلاح من زوجته ولدا و بنتا. الابن هو الفنان أحمد صلاح السعدني، من مواليد 16 يوليو 1979، الذي ظهر لأول مرة في مسلسل “رجل في زمن العولمة” مع والده، ثم شارك في العديد من الأعمال السينمائية و التليفزيونية الناجحة منها “مقلب حرامية”، “مرجان أحمد مرجان”، “وش إجرام”، “الكبريت الأحمر”، و”وعد”.

كان أحمد دائم الحرص على طمأنة الجمهور على الحالة الصحية لوالده، ونشر الصور التي تجمعهما معا على صفحاته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي مع تداول الشائعات المستمرة عن وفاته.

أما الابنة فهي ميريت صلاح السعدني، التي فضلت الابتعاد عن الوسط الفني في البداية، وتخرجت من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودرست أيضا بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية. تزوجت من شخص خارج الوسط الفني اسمه أدهم و أنجبت منه كلا من يوسف وياسين. لكنها مؤخرا اتجهت إلى مجال التقديم التلفزيوني، حيث قدمت برنامجا بعنوان “بنات أصول”، وهو برنامج اجتماعي يتناول العلاقة بين الرجل والمرأة والجوانب الأسرية و العاطفية ومشاكلها والحلول السليمة لها.

العلاقة مع الأبناء

كان صلاح السعدني حريصا على تربية أبنائه بطريقة سوية بعيدا عن الأضواء الزائفة. وبحسب ما كشفه الفنان أحمد السعدني في إحدى المقابلات، فإن والده قرر الاعتزال عن الفن بهدوء ليستمتع بحياته مع أسرته وأحفاده، و ليقضي وقته في القراءة التي كان يعشقها.

 

محطات مؤلمة في حياة صلاح السعدني

المنع من التمثيل بسبب موقف أخيه السياسي

في الستينيات والسبعينيات، تعرض صلاح السعدني لأحد أقسى الفترات في حياته، حيث تم منعه من التمثيل بسبب اعتقال شقيقه الكاتب محمود السعدني نتيجة آرائه السياسية الجريئة و مهاجمته للرئيس السادات. كان المنع من التمثيل بمثابة قرار بالإعدام على فنان يتحسس الطريق، لكنه قرر الصمود ومراقبة الأحداث من بعيد.

في هذه المرحلة الصعبة، تم ترشيحه للمشاركة في مسرحية “مدرسة المشاغبين” من قبل صديقه عادل إمام، لكنه فوجئ بالمنع، فتم ترشيح أحمد زكي بدلا منه لهذا الدور.

حاول المنتج سمير خفاجي مساعدته وقت منعه من التمثيل، وقام بتعيينه في منصب إداري في الفرقة حتى يستطيع منحه راتبا شهريا يواجه به متاعب الحياة، لكن صلاح رفض الأمر قائلا إنه خلق من أجل أن يكون ممثلا فقط.

بعد تدخل الأديب يوسف السباعي حين كان وزيرا للثقافة، عاد صلاح السعدني للوقوف على خشبة المسرح عام 1974 في مسرحية “العمر لحظة” أمام الفنانة سميحة أيوب.

 

وفاة نور الشريف

من أكثر اللحظات ألما في حياة صلاح السعدني كان تلقيه خبر وفاة صديقه نور الشريف في أغسطس 2015، حيث شعر وقتها أنه فقد جزءا من عمره، وساءت حالته الصحية بعد ذلك.

 

الجانب الاجتماعي والسياسي

كان صلاح السعدني من الفنانين الذين لهم مواقف سياسية واضحة، متأثرا بشقيقه محمود السعدني. وصف نفسه بأنه من “أبناء ثورة 23 يوليو” وأنه يؤمن بـ”عروبة مصر وقومية هذه المنطقة العربية”.

رغم نصيحة أخيه له بالابتعاد عن السياسة والتركيز على الفن، إلا أن صلاح لم يتوقف عن اتخاذ مواقف سياسية واقتصادية وفنية إشكالية، ما جعله مقربا من أوساط كثيرة من المهتمين بالشأن العام المصري.

 

موقف طريف مع إبراهيم سعيد والأهلي

كان لصلاح السعدني دور غير متوقع في عودة نجم كرة القدم المصرية إبراهيم سعيد إلى النادي الأهلي. قال إبراهيم سعيد في تصريحات له: “تعاملت مع الفنان صلاح السعدني من قبل”، موضحا أن السعدني استضافه في منزله وساهم في تقريب وجهات النظر بينه وبين إدارة النادي، ما سهل عودته إلى الفريق.

 

المدرسة الفنية والأسلوب التمثيلي

 

الموهبة والثقافة

كان صلاح السعدني قارئا نهما و مثقفا حقيقيا، يقضي أوقات فراغه في القراءة. وكان معروفا عنه وعن نور الشريف حبهما للقراءة و إطلاعهما الدائم و شغفهما بكل مفردات الحياة.

في حوار قديم، سأل صلاح عن علاقة صديقيه عادل إمام وسعيد صالح بالقراءة، فقال: “عادل إمام مهموم فعلا، وكثيرا ما يتصل بي ويسألني هل الكاتب الفلاني مهم؟، وهل الكتاب العلاني يستحق القراءة؟، و كثيرا ما أقوم أنا بالاتصال به وأخبره يا عادل ابعت من يشتري لك هذا الكتاب، أما سعيد صالح علاقته بالقراءة أقل كثيرا”.

 

الأداء التمثيلي المتميز

تميز صلاح السعدني بصفات وسمات فنية كثيرة نادرا ما تجتمع في ممثل واحد. كان يجيد أداء الأدوار الميلودرامية و التراجيدية بنفس كفاءة أدائه للأدوار الكوميدية التي برع واشتهر بها، و متميزا في التمثيل باللغة العربية الفصحى بنفس درجة تميزه في التمثيل باللهجة العامية.

امتلك الحضور القوي المحبب و التوهج الفني، والتمكن الواضح من مختلف مفردات الأداء الفنية، كما تمتع بخفة الظل والقدرة على خلق الابتسامات وتفجير الضحكات وإشاعة جو من البهجة، إضافة إلى حرصه الكبير على تنوع أدواره وعدم الوقوع في دائرة النمطية أو تكرار الشخصيات.

كان يمتاز أداؤه في معظم الأدوار التي لعبها بخفة الدم المصرية الخالصة، فهو يستعذب الشخصية الدرامية و يدمجها في روحه وثقافته، وله مدرسته الخاصة في الأداء المنضبط المتحكم في درجة الانفعال مستخدما وجهه كأداة أساسية للتعبير على أن يلعب الصوت الدور الآخر شديد الأهمية.

نصيحة ذهبية من أمينة رزق

كان للفنانة القديرة أمينة رزق دور مهم في صقل موهبة صلاح السعدني. في عام 1966، اختاره المخرج الراحل نيازي مصطفى للوقوف أمام النجمة أمينة رزق في فيلم “شياطين الليل”. الذي لعب بطولته أيضا فريد شوقي وهند رستم، وذلك بعد اعتذار الفنان حسن يوسف.

كان السعدني يشعر بالرهبة في الوقوف أمام هؤلاء الكبار. خاصة وأنها تعد التجربة السينمائية الأولى له. عندما علمت أمينة رزق بوجود السعدني طلبت أن تجمعهم بروفة تحضيرية معا. وبعد الانتهاء منها أثنت عليه وقالت له: “أنا فرحانة بيك جدا لكن عندي ملاحظة أنك بتبص في الأرض وأنا بكلمك. ودا مينفعش؛ لأن العين أحد أدوات الممثل المهمة”.

رغم أن صلاح كان له تبرير لذلك نظرا لإصابته بضعف البصر مما كان يجعله يهرب من النظر للآخرين. إلا أنه وضع هذه النصيحة دائما بعين الاعتبار طوال مسيرته الفنية. واعتبر هذه الكلمة القصيرة محاضرة عظيمة له. وأصبحت لغة العيون من أقوى أدواته الجسدية كممثل.

 

الاعتزال والسنوات الأخيرة

 

قرار الاعتزال

اختار صلاح السعدني الانسحاب من الساحة الفنية بهدوء ودون ضجة إعلامية عام 2013. تزامنا مع بلوغه سن السبعين، وظل بعدها بعيدا عن الأضواء حتى وفاته. كان مسلسل “القاصرات” عام 2013 آخر أعماله التلفزيونية.

ابتعد صلاح نهائيا عن الوسط الفني بسبب ألم ظهره الشديد الذي أثر عليه كثيرا في آخر أعماله. واضطر مخرج العمل مجدي أبو عميرة للاستعانة بحركة الكاميرا بديلا عن حركته.

في تصريحات نادرة عام 2019. قال صلاح السعدني إنه بخير و مستمتع بحياته، وأنه يقضي وقت فراغه في القراءة بمنزله.

 

الحالة الصحية

أكثر من 10 سنوات، وصلاح السعدني مبتعد عن الملعب الدرامي والأضواء. مكتفيا بما حققه من إنجاز جماهيري عربي على مدى مشوار تجاوز نصف قرن. كانت حالته الصحية متدهورة في السنوات الأخيرة. لكن أسرته كانت تنفي الشائعات المتكررة حول وفاته.

كشف الدكتور أنور الأتربي. أستاذ الأمراض النفسية والعصبية بجامعة عين شمس. أن الإنتاج الفني الكبير لصلاح السعدني تسبب في إصابته بمرض ألزهايمر في آخر عمره.

 

الوفاة

في صباح يوم الجمعة 19 أبريل 2024، رحل صلاح السعدني عن عالمنا عن عمر يناهز 81 عاما. تاركا وراءه إرثا فنيا ضخما وذكرى لا تنسى في قلوب محبيه.

أعلن الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، وفاة الفنان عبر حسابه الرسمي على موقع. “إنستجرام” قائلا: “البقاء لله.. وفاة الفنان الكبير صلاح السعدني”.

كشف الفنان محمود البزاوي. المتزوج من ابنة شقيق صلاح السعدني. أن السعدني توفى على سريره في منزله. ولا صحة لما تردد عن تعرضه لأزمة صحية استدعت نقله إلى أحد المستشفيات. و أضاف الكاتب الصحفي أكرم السعدني. نجل شقيق الفنان، أن ما يتم تداوله عن تعرض عمه لأزمة صحية قبل وفاته لا أساس له من الصحة. وأن السعدني كان يتمتع بصحة جيدة في أيامه الأخيرة.

التكريمات والجوائز

حصل صلاح السعدني على عدة تكريمات خلال مسيرته الفنية، منها:

– تكريم في مهرجان “القاهرة للدراما” عام 2022. حيث وقف الجميع و صفقوا بحرارة لحظة إعلان تكريمه. وتم تسليمه الجائزة في منزله بسبب ظروفه الصحية.

– تكريم في مهرجان “إنرجي للدراما” 2023 كضيف شرف الموسم السابع. وتسلم النجم أحمد السعدني الجائزة معبرا عن سعادة والده بالتكريم.

– حصل على جائزة “التميز الفني” من مهرجان “الإسكندرية السينمائي”.

– مسابقة “إبداع 12” للعروض المسرحية حملت جائزتها اسم الفنان الكبير صلاح السعدني “عمدة الدراما”.

 

إيجابيات وسلبيات صلاح السعدني

الإيجابيات

التواضع والبساطة: كان صلاح السعدني معروفا بتواضعه الشديد و بساطته رغم نجوميته. كما شهد له رئيس التحرير استاذ خالد فؤاد. فى حواره معه  أثناء مناقشتهم الحواريه الشيقه و انغامرهم فيها. إلا ان احد المعجبين قاطعهم ولكنه لم ينزعج بل قام له ورحب به على عكس ما يحدث الان.

خلو القلب من الغيرة: كما شهد نور الشريف وآخرون. كان صلاح خاليا من مشاعر الغيرة والأنانية والغرور. يتمنى الخير لكل من حوله حتى لو كان منافسا له.

الثقافة والقراءة: كان قارئا نهما و مثقفا حقيقيا.

الالتزام والجدية: عرف بالتزامه المهني و جديته في العمل.

الطيبة و الجدعنة: وصفه الفنان محمود البزاوي بأنه “كان رجلا يتسم بالطيبة و الجدعنة”.

الاحترافية: كان يحب دائما أن يعمل جوا في كواليس الأعمال التي يشغلها.

احترام المخرج: قال عن نفسه “أنا من مدرسة تحترم المخرج”.

 

السلبيات

لم تذكر سلبيات واضحة في شخصية صلاح السعدني. في المصادر المتاحة، لكن يمكن الإشارة إلى:

الانطوائية الاجتماعية: حسب ما ذكر نور الشريف في آخر حواراته الصحفية. قال إنه شخص غير اجتماعي وما بيحبش يتطفل على حد. وبعد العمر الطويل ماله سوى عدد قليل من الأصدقاء المقربين.

الابتعاد المفاجئ: قراره بالابتعاد عن الفن بشكل كامل ومفاجئ دون وداع حقيقي للجمهور.

 

طموحات صلاح السعدني و نصائحه

الطموح الفني

كان طموح صلاح السعدني دائما أن يقدم أدوارا متنوعة ومختلفة. وألا يقع في دائرة النمطية أو تكرار الشخصيات.

وقد نجح. في تحقيق هذا الطموح من خلال تقديمه لأكثر من 200 عمل فني متنوع ما بين المسرح والسينما والدراما.

 

الطموح الشخصي

كان طموحه الشخصي بسيطا، يتمثل في عيش حياة هادئة مع أسرته، والاستمتاع بالقراءة والثقافة.

وقد حقق هذا الطموح في سنواته الأخيرة عندما اختار الاعتزال والابتعاد عن الأضواء.

 

نصائحه

كان صلاح السعدني دائم النصح لزملائه الفنانين. كما ذكرت الفنانة إنعام سالوسة التي وصفته بأنه “مثقف و أصيل ودائم النصح لزملائه”.

من أهم النصائح التي يمكن استخلاصها من حياته:

– التركيز على الفن والابتعاد عن السياسة (كما نصحه عادل إمام وأخوه محمود).

– أهمية القراءة والثقافة في صقل موهبة الممثل.

– احترام المخرج والعمل الجماعي.

عدم الغيرة من نجاح الآخرين و التمني لهم بالخير.

العوائق التي واجهت صلاح السعدني

واجه صلاح السعدني عدة عوائق في مسيرته الفنية:

المنع من التمثيل: بسبب موقف أخيه السياسي، منع من التمثيل لفترة في السبعينيات.

الرفض في البدايات: رفض من فريق التمثيل في المدرسة الثانوية بسبب ضعف جسمه.

عدم اللمعان السينمائي: رغم موهبته الكبيرة، لم يلمع في السينما كما لمع في التلفزيون.

المشاكل الصحية: آلام الظهر الشديدة في آخر أعماله.

مرض ألزهايمر: في السنوات الأخيرة من عمره.

 

الثروة والحياة الاقتصادية

حيث لم تتوفر معلومات موثقة حول ثروة صلاح السعدني المالية في المصادر المتاحة. لكن من المعروف أنه عاش حياة بسيطة ومتواضعة، بعيدا عن البذخ والمظاهر.

كان تركيزه دائما على الفن والثقافة أكثر من المال والثروة.

 

تأثيره على الفن المصري

كما ترك صلاح السعدني أثرا عميقا في الفن المصري والعربي:

تجسيد الشخصية المصرية الأصيلة: كان معبرا حقيقيا عن الشخصية المصرية بكل طبقاتها.

المدرسة التمثيلية المتميزة: أسس مدرسة خاصة في الأداء التمثيلي.

الإرث الدرامي الضخم: ترك أكثر من 200 عمل فني يدرس في كليات الفنون.

إلهام الأجيال الجديدة:أصبح مثالا يحتذى به للممثلين الشباب.

قال عنه الإعلامي عمرو أديب: “صلاح السعدني رمز للثقافة المصرية.. ثروتنا في عقولنا و مواهبنا”.

الخاتمة

رحل صلاح السعدني، لكن أعماله الخالدة تبقى شاهدة على موهبة استثنائية وإنسانية نادرة. كان “عمدة الدراما المصرية” بحق، فنان من نسيج الفن المصري الأصيل. راسخا في وجدان الشعب العربي بما قدمه من أعمال خلدت اسمه في تاريخ الفن.من كفر القرينين الصغيرة إلى قلوب الملايين في كل أنحاء العالم العربي، كانت رحلة صلاح السعدني ملحمة فنية إنسانية. مليئة بالكفاح و الإنجاز، بالألم والفرح، بالصداقات الحقيقية والمواقف النبيلة.عاش بسيطا متواضعا، مثقفا واعيا، فنانا محترفا، و إنسانا طيبا. ورحل في هدوء كما عاش، تاركا وراءه إرثا فنيا لن ينسى. وذكرى طيبة في قلب كل من عرفه أو شاهد أعماله. رحم الله عمدة الدراما المصرية صلاح السعدني، و أسكنه فسيح جناته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.