بقلم: ريهام طارق
تعلم كيف تميز بين الطيبة السوية وضعف الشخصية، واعرف إمتى الاستسلام يكون استنزاف لطاقتك، وليه كلمة لأ أحيانًا بتكون أول خطوة لاستعادة ذاتك، حريتك، وقوة شخصيتك.
بنسمع كتير جملة: ” عيبه طيبته الزايده” أو جمله “أصله طيب زيادة عن اللزوم”.. بس السؤال الأهم هنا: هل الطيبة فعلا، ولا ضعف الشخصية؟
الطيبة عمرها ما كانت عيب، ولا في يوم كانت مبرر إن الإنسان يبقى مستباح للي حواليه، الطيبة الصح هي إنك تكون شخص سوي، قلبك نضيف، نيتك صافية، وعندك رحمة وإنسانية في تعاملك مع الناس… ده المعنى الحقيقي للطيبة.
ازاي تكتشف حقيقتك:
المشكلة بتبدأ لما الطيبة تتحوّل للتنازل الدائم، ولما تسمح لأي حد يجرحك ويدوس على مشاعرك، ويستغلك عاطفيًا، و يحملك فوق طاقتك، وانت قصاد كل ده ساكت وراضي، و بتحسس كمان اللي قدامك إن اللي ردود افعاله عاديه و طبيعية .. و سكوتك طبعاً ده بيبقى نابع من خوفك إنك تخسره أو يبعد عنك.
ولو في لحظة اتخنقت واشتكيت، تتفاجئ بالجملة الشهيرة: “والله و طلع لك حس!” أو “دي آخِرة الطيبة”، و كأن الاعتراض مش من حقك، وانك المفروض متتوجعش و يعاملوك معاملة الاسفنجة تمتص سموم كل اللي حواليك من غير ما تنطق، وساعتها الناس تصنّفك إنك “إنسان على نياتك”، لأنهم اتعودوا منك دايمًا على كلمة حاضر وطيب.
الحقيقية الكارثية هنا إن هذا السلوك لا طيبة ولا سذاجة… ولكنه في الحقيقة ضعف شخصية لابس قناع الطيبة، محاولة من العقل الباطن إنه يحمي صورة الإنسان قدام نفسه، يجمل الخوف وضعف الشخصية ويحوله لسلوك أخلاقي شكله شيك، يرتدي ثوب كرم الأخلاق أو الطيبة آلتي ليس لها حدود.
“8 طلقات” بلا رصاصة واحدة.. أول تجربة تمثيل لمحمد سامي تنهار قبل ما تبدأ
وقتها بيبان ضعفه في الهروب من أي مواجهة، وفي السكوت عن الغلط، وفي التنازل عن حقوقه علشان مايزعلش حد، وفي التعايش مع علاقات مؤذية، لأنه ببساطة مايعرفش يقول “لأ”، والسبب الحقيقي ورا ده هو خوف من الفقد، سواء كان حبيب، صديق، أو أي شخص قريب منه.. خوف مزمن من الوحدة.
و بعده على طول سبب تاني لا يقل خطورة: ضعف الثقة بالنفس، والشك المستمر في القدرة على اتخاذ قرار صح أو التعبير عن رأي مختلف عن الغير ومع مرور الوقت، بيتحول لإنسان يضع رضا الناس في الأولوية حتي لو كان على حساب سلامته النفسية، ويبدأ في الاستنزاف يوم بعد يوم… وكل ده تحت لافتة “إنسان طيب”.
ومثل أي سلوك غير سوي، الحالة دي غالبًا بتتكوّن جوّه النفس البشرية نتيجة خلل في أسلوب التربية منذ الصغر، فيه ناس كتير ما اتعلمتش تقول لا، اتربّت على إن الاعتراض قلة ذوق، والدفاع عن النفس أنانية، وإن السكوت أدب و كبروا وهم مقتنعين إن الحب معناه انك تتنازل وتضحي وتقبل بالقليل.
ومع الوقت يصبح هذا الشخص الطرف اللي بيتحمل فوق طاقته، يتجرح من غير ما يصرخ و المؤلم في القصة انه دايما بيكون الطرف اللي بيتنسي أول ما يخلص دوره من الحكايه.
طيب إزاي نفرّق بين الطيبة السويةو ضعف الشخصية؟
الطيبة السوية عمرها ما تخليك تتنازل عن حقك علشان ترضي غيرك، الإنسان الطيب السوي هو شخص واعي، بيعرف يختار، قادر يقول آه وهو مقتنع، ويقول لأ من غير ما يحس بالذنب، فاهم إن الاحترام ما بيجيش من زياده التضحية، لكن من احترامه لنفسه.
أما ضعيف الشخصية، فغالبًا بيداري ورا سلوك راقي شكلا، لكن في جوهره شخصية ضعيفه ومهزوزه مش بيختار أنه يكون طيب، هو مجبر عليها، بيوافق مش لأنه مقتنع، لكن لأنه خايف يترفض. بيسكت مش لأنه بيجيد السيطرة على أعصابه، لكن لأن المواجهة بالنسبة له أصعب وأخطر.
الفرق الجوهري هنا إن الطيبة قوة، والضعف محاولة مستمرة للهروب من الفقد والخسارة.
إزاي تكتشف أن طيبتك غير سوية؟
لما تلاقي نفسك دايمًا بتقول معلش وإنت موجوع، وبتبرّر أذى غيرك بدل ما تعترف إنه أذى، بتخاف حد يزعل منك و حاسس إنك مسؤول عن إرضاء مشاعر كل اللي حواليك.
في اللحظة دي، لازم تقف وتسأل نفسك بصدق:
هو أنا طيب؟ ولا أنا ضعيف الشخصية؟
العلاج هنا يبدأ من مدي اداركك لمعني الطيبه وإن الطيبة عمرها ما كانت إنك تتأذى وتسكت، ولا إنك تفضل متاح، الطيبة لا تمنع إنك تحترم نفسك قبل أي حد، لأنك لو ما احترمت نفسك، عمر غيرك ما هيشوفك شخص يستحق التقدير والاحترام.
الطيبة الصح إنك تحمي حدودك من غير عدوانية وتدافع عن حقك من غير ما تكون متحفز، وتفهم إن كلمة لأ مش أنانية… و الرد المناسب مش قلة ذوق… دي شجاعة، والانسحاب من علاقة مؤذية مش ضعف… ده أعلى درجات القوة .
في النهاية، الطيبة اللي ما بترحمش صاحبها، ما تبقاش فضيلة…تبقى خنجر مسموم في ضهره بيستنزفه حتى الموت.

نبذة عن الكاتب:
ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في الأخبار الفنية والثقافية، أجرت حوارات صحفية مع نخبة من أبرز نجوم الفن في الوطن العربي، وتشغل حاليًا منصب مساعد رئيس التحرير ورئيس قسم الفن بمؤسسة [اليوم للإعلام] التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، والتي تضم عددًا من الإصدارات الصحفية، من بينها مجله أسرار المشاهير، اليوم الدولي، أخبار مصر 24، وجريدة تريندات العالم في جمهورية مصر العربية.
انطلقت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية،عبر جريدة [إبداع] في الرياض، قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، من بينها جريدة [الثائر] وجريدة [المغرّد] في لبنان، وجريدة [النهار] في المغرب، ومجلة [النهار] في العراق، ومجلة [المحور] في الكويت.
كتبت ريهام طارق عددًا من المقالات التحليلية المتخصصة في مجالات السياسة الدولية وأسواق المال الأمريكية والأوروبية، كما شغلت عضوية اللجنة الإعلامية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتعمل حاليًا على تقديم محاضرات متخصصة في الصحافة بمدينة مسقط سلطنة عمان.



