بقلم: ريهام طارق
جاء شهر الخير والكرم جاء شهر رمضان محمّلًا بنفحات الرحمة والمغفرة، وفرصة عظيمة للتوبة وتجديد إيمانك وتهذيب روحك وقلبك وإعادة ترتيب الأولويات، في حياتك، و لكن كثيرون منا يقع في أخطاء متكررة تحوله إلى مجرد روتين يومي، يفقدون فيه بركته وأثره الحقيقي.
فما بين الانشغال بالمظاهر، والاحتفال والعزومات والسهرات الرمضانية ومشاهده البرامج والمسلسلات التلفزيونية، تضيع روح الشهر رمضان دون أن نشعر به وفيما يلي أبرز هذه الأخطاء الشائعه، وكيف يمكن تجنبها لتحقيق أكبر استفادة من هذه الأيام المبارك.
أولا: تحويل رمضان إلى شهر مائده رمضانيه
من أكثر الممارسات الخاطئة شيوعًا في كثير من البيوت خلال شهر رمضان، انشغال الأسرة المفرط بإعداد موائد عامرة بأصناف متعددة من الأطعمة والحلويات، وقضاء ساعات طويلة في التحضير والتجهيز، هذا التركيز المبالغ فيه على الجانب الغذائي يستهلك وقتًا وجهدًا كان من الأولى توجيههما إلى استثمار روحانية الشهر في العبادة والذكر وقراءة القرآن، بما يحقق المقصد الحقيقي من رمضان.
كيف نتجنب ذلك؟
الاكتفاء بأصناف بسيطة ومتوازنة، تنظيم وقت الطهي مسبقًا، تذكير النفس بأن رمضان شهر عبادةوتهذيب للنفس لا شهر موائد طعام
ثانيًا: السهر المفرط والنوم طوال النهار:
يسهم السهر لساعات طويلة أمام الشاشات أو الانشغال بالمجالس والسهرات الاجتماعية في اضطراب نظام النوم، ما يدفع كثيرين إلى قضاء معظم ساعات النهار في النوم. و يترتب على ذلك ضعف النشاط العام، و التقصير في أداء العبادات، وتأثر الانتظام في الصلوات، وتراجع الوقت المخصص للذكر وتلاوة القرآن، وهو ما يتنافى مع روح الانضباط والاجتهاد التي يدعو إليها شهر رمضان.
الحل:
يُسهم وضع خطة يومية واضحة في تحقيق أقصى استفادة من وقت رمضان، وذلك من خلال تنظيم مواعيد النوم، والحد من السهر غير الضروري، والالتزام بروتين متوازن يحقق الانسجام بين متطلبات العبادة، ومسؤوليات العمل، واحتياجات الراحة، بما يعزز النشاط والاستمرارية طوال الشهر الكريم.
ثالثًا: الانشغال بالهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي:
تتمثل إحدى أخطر المظاهر التي تستنزف وقت الإنسان في رمضان في الانجذاب المفرط إلى الشاشات، ذلك المؤثر الذي يستحوذ على الانتباه والعقل دون وعي، إذ يقضي البعض ساعات طويلة في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو متابعة المحتوى الترفيهي، دون إدراك لحجم الوقت المهدر، وهو ما يحرمهم من استثمار لحظات الشهر الكريم فيما يعود عليهم بالنفع الروحي و الإيماني.
كيف نعالج ذلك؟
حدد وقت معين يومي محدود لاستخدام الهاتف.
استبدال جزء من هذا الوقت بقراءة القرآن أو الذكر.
متابعة المحتوى النافع بدلًا من الترفيه المفرط الذي يبدد الوقت
رابعًا: إهمال جوهر الصيام
الصيام ليس الامتناع عن الطعام فقط، بل هو تهذيب للنفس وضبط للسلوك. ومن الأخطاء الشائعة التي يجب ان نتوقف عنها فورا: الغضب وسرعة الانفعال…الغيبة والنميمة…الكلام الجارح أو الجدال.
اجعل الصيام تدريبا لك على الصبر وحسن الخلق، فـ جوهر الصيام هو تهذيب النفس قبل الجسد.
خامسا: البداية القوية ثم التراجع:
يبدأ كثيرون رمضان بحماس كبير، ثم يقل النشاط تدريجيًا مع مرور الأيام.
والحل العملي هو:وضع خطة بسيطة ومستدامة…التركيز على الاستمرارية بدلًا من الكثرة، والالتزام بورد يومي ثابت من القرآن والذكر.
سادسًا: تأجيل التوبة إلى نهاية الشهر:
يؤجل البعض التغيير الحقيقي أو التوبة إلى العشر الأواخر، وقد تمر الأيام دون أن يتحقق شيء، الأفضل أن يبدأ الإنسان من اليوم الأول، فكل يوم في رمضان فرصة جديدة لا تعوض.
يوم من حياه النبي ﷺ في رمضان:
كان النبي ﷺ يجعل من أيام رمضان نموذجًا متكاملًا للعبادة والانضباط الروحي، حيث يحرص على اغتنام كل لحظة فيما يقربه من الله تعالى، فكان يكثر من تلاوة القرآن وذكر الله، ويجتهد في الصلاة، خاصة صلاة الليل، حتى يطيل القيام بخشوع وتدبر، كما عُرف عنه الإكثار من الصدقة والجود، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يحافظ على السحور ويحث عليه لما فيه من بركة، ويُعجّل بالإفطار اقتداءً بالسُّنة. ومع دخول العشر الأواخر، كان يزيد من اجتهاده، فيحيي ليله بالعبادة، و يوقظ أهله، ويشد مئزره طلبًا لليلة القدر، ليجعل من رمضان موسمًا للتقرب الصادق وتجديد الصلة بالله.
رمضان فرصة للعتق من النار قد لا تتكرر:
في النهاية شهر رمضان المبارك بمثابة محطة إيمانية قد تغيّر حياة الإنسان إذا أحسن صورها وتجنب الأخطاء الشائعة هو الخطوة الأولى نحو الاستفادة الحقيقية من هذا الشهر المبارك… فليكن هدفنا هذا العام أن نعيش رمضان بروحه، لا بعاداته، وأن نجعله بداية لتغيير يستمر بعد انتهائه، لأن النجاح الحقيقي في رمضان هو أن يترك أثرًا دائمًا في القلب والنفس و السلوك.

نبذه عن الكاتب:
ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في الأخبار الفنية والثقافية، أجرت حوارات صحفية مع نخبة من أبرز نجوم الفن في الوطن العربي، وتشغل حاليًا منصب مساعد رئيس التحرير ورئيس قسم الفن بمؤسسة [اليوم للإعلام] التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، والتي تضم عددًا من الإصدارات الصحفية، من بينها جريدة أسرار المشاهير، اليوم الدولي، أخبار مصر 24، وجريدة تريندات العالم في جمهورية مصر العربية.
انطلقت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية،عبر جريدة [إبداع] في الرياض، قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، من بينها جريدة [الثائر] وجريدة [المغرد] في لبنان، وجريدة [النهار] في المغرب، ومجلة [النهار] في العراق، ومجلة [المحور] في الكويت.
كتبت ريهام طارق أيضا في مجال السياسة الدولية وأسواق المال الأمريكية والأوروبية، كما شغلت عضوية اللجنة الإعلامية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتعمل حاليًا على تقديم محاضرات متخصصة في الصحافة بمدينة مسقط سلطنة عمان.




