بقلم: ريهام طارق
تتجلى في صفحات التاريخ الإسلامي نماذج فريدة لرجال جمعوا بين صفاء الإيمان وحسن السعي في عمارة الأرض، ونجحوا في تحقيق التوازن المعتدل بين متطلبات الدنيا وغايات الآخرة، و أضحوا قدوة خالدة للأجيال.. وفي هذا السياق، يأتي المقال الخامس من سلسلة “سير تنير” يسلط الضوء على سيرة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أبرز رموز البذل والكرم والزهد، الذي جسد في حياته صورة المؤمن الصادق الذي سخر ماله ونفسه نصرة لدين الله.
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من الصحابة الذين حصلوا على منزلة رفيعة في بدايات الدعوة الإسلامية، وكان من السابقين في دخول الإسلام، ومن أهل الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة، كما كان من أهل بدر وبيعة الرضوان، ومن الستة أصحاب الشورى الذين عُهد إليهم باختيار الخليفة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في دلالة جلية على عظيم مكانته وثقة المسلمين به، و عُرف بأمانته حتى قال عنه رسول الله صل الله عليه وسلم
{إنه أمين في أهل السماء وأمين في أهل الأرض}.
وفي هذا المقال، نصحب القارئ في رحلة معرفية ثرية عبر محطات حياة هذا الصحابي الجليل، نستعرض فيها نشأته، ومسيرته في الإسلام، وأبرز مواقفه في نصرة الدعوة، لنقف على سيرة ملهمة تزخر بالدروس و العِبر في الإخلاص، والعطاء في بناء الأمه الإسلامية.
نسبه ونشأته:
هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري، أحد أعلام الإسلام وسادات قريش، وُلِد في مكة المكرمة بعد عام الفيل بنحو عشر سنوات، فكان أصغر من النبي ﷺ بعشر سنين تقريبًا.
ينتمي عبد الرحمن بن عوف إلى بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ من جهة أمه السيدة آمنة بنت وهب، سماه والده عند ولادته عبد عمرو، وظل يعرف بهذا الاسم في الجاهلية، حتى أكرمه الله بالإسلام، فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، ليحمل اسما يليق بما استقر في قلبه من رحمة الإيمان ونور الهداية.
إسلام عبد الرحمن بن عوف:
نشأ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نشأة كريمة طاهرة، رافضا كل ما يثيره الجهل والتخلف من سفاسف الجاهلية و عاداتها، مهيّأً بفطرته السليمة لاستقبال نور الحق وهداية الإسلام، وقد كان من السابقين الأوائل إلى دين الله، إذ يُعد ثامن الداخلين فيه، وكان في الثلاثين من عمره، وذلك قبل أن يتخذ النبي ﷺ دار الأرقم مقرا للدعوة.
أسلم عبد الرحمن على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فاستجاب لدعوة الحق بلا تردد، في وقت كانت فيه الدعوة خفيةً وسريةً، ما يعكس نقاء قلبه وصفاء بصيرته وفطنة روحه وإيمانه الصادق بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
عبد الرحمن بن عوف صاحب الهجرتين:
بعد إسلام عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، تعرض للإيذاء من قِبل المشركين، شأنه شأن بقية الصحابة الذين ابتُلوا في سبيل الله، فطلب من رسول الله ﷺ الإذن بالخروج من مكة، فأذن له بالهجرة مع من خرج إلى الحبشة، وعاد بعدها إلى مكة لفترة قصيرة، ثم غادر مجددا في الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة، امتثالا لأمر رسول الله ﷺ بإقامة دولة الإسلام.
وعندما هاجر عبد الرحمن إلى المدينة، ترك وراءه ماله و تجارته في مكة، ولم يرض أن يكون عالةً على أحد، فاقترض درهماً وبدأ يبيع ويشتري بحكمة وذكاء حتى أصبح عند وفاته يملك نحو ثمانية ملايين دينار، ما يدل على عبقريته الفائقة في الإدارة والاقتصاد، وقدرته على تحقيق النجاح، ورغم هذا الغنى الضخم، بقي عبد الرحمن شاكراً لـ أنعم الله عليه، فأحسن الإنفاق في سبيل الله، فكان يقدم ماله للفقراء والمساكين، وظل مثالا لـ الزهد والتواضع، فكان طعامه بسيطا و لباسه معتدلا، وإذا استحضر ماضيه وما آل إليه من نعيم، رق قلبه وبكى، خشية أن يكون قد عُجّلت له طيبات الدنيا، فجمع بذلك بين نعمة الغنى وصدق الخشية، في صورة نادرة للمؤمن الشاكر.
علاقة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه برسول الله ﷺ:
تميزت علاقة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالنبي ﷺ بالحب الصادق والولاء والإخلاص فقد كان رفيقا أمينا في كل المواقف.. شارك معه في الغزوات، و يعتبر واحدا من أصحاب الشورى المقربين الذين يُستشارون في أمور الأمة.
وعندما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، آخى بين عبد الرحمن وبين سعد بن الربيع رضي الله عنه، فبادر سعد بعرض كريم، فقد عرض عليه أن يشاركه ماله، بل ويمكّنه من اختيار إحدى زوجتيه ليطلقها له، إلا أن عبد الرحمن رضي الله عنه ردّ بكلمة خالدة تدل على عفة نفسه وسمو أخلاقه:
“بارك الله لك في مالك وأهلك، دلني على السوق”..
فأتاه فاشترى وباع حتى ربح، فكان من أغنى المسلمين مالاً، وبدأ عبد الرحمن بن عوف من الصفر، معتمدا على اجتهاده وصدق نيته، حتى أصبح من أعظم تجار المسلمين، جامعا بين الطموح الشريف وحسن الأخلاق، ومثالا يحتذى به في عفة النفس وكرامة الإنسان.
أبرز ما قاله النبي ﷺ في عبد الرحمن بن عوف:
البشارة بالجنة:
ذكر رسول الله ﷺ عبد الرحمن في الحديث الصحيح الذي يعدد العشرة المبشرين بالجنة، قائلاً:
{وعبد الرحمن بن عوف في الجنة}.
الثناء على أمانته وصلاحه:
عندما تصدق عبد الرحمن بن عوف بمال كثير، قالت عائشة رضي الله عنها عن شهادة النبي: “أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
{لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون}.
الخوف من كثرة ماله:
رغم كونه من أغنى الصحابة، كان النبي ﷺ يعلم صلاحه، وهو ما تمثل في قصة تعجبه من كثرة ما أُعطي من الدنيا،
عبد الرحمن بن عوف… الفارس الذي قال عنه رسول الله ﷺ: شاركته الملائكة في القتال
حضر عبد الرحمن بن عوف مع رسول الله ﷺ، جميع الغزوات فكان من أهل [بدر]، ومن أصحاب [بيعة الشجرة]، وحضر [فتح مكة]، وخرج إلى جانب رسول الله ﷺ في غزوة [تبوك].
وكان لـ ماله أثر بالغ في نشر الإسلام، فقد كان كل ما يملك بين يدي رسول الله ﷺ ينفقه كما شاء، فاستحق بذلك بشارة رسول الله ﷺ بالجنة، وقد لقي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في غزوة [أُحد] جراحات بالغة، وقدم من البطولات ما يذهل العقول و يعجز البيان عن وصفه، فهو من القلة المخلصة الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ في أشد المواقف، وقد هيّأ الله له الملائكة لـ تقاتل معه وتدافع عنه، كما ورد عن الحارث بن الصمة رضي الله عنه أنه قال:
-“سألني رسول الله ﷺ وهو في الشعب: هل رأيت عبد الرحمن بن عوف؟
-قلت: نعم يا رسول الله، رأيته على جرّ الجبل وعليه عسكر من المشركين، فهويت فرأيتك فعدلت إليك.
-فقال رسول الله ﷺ:
{أما إنّ الملائكة تقاتل معه}.
ثم عاد الحارث إلى عبد الرحمن، فأخذ بين يديه سبعة صرعى..
-فسأله: “ظفرت يمينك؟ أكل هؤلاء قتلت؟
-فقال عبد الرحمن رضي الله عنه:
“أما هذا لأرطأة بن شرحبيل، وهذا فأنا قتلتهما، وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره!”
قال الحارث: صدق رسول الله ﷺ.
لم يقتصر فضل عبد الرحمن رضي الله عنه على الشجاعة في القتال، بل كان من أعظم الصحابة كرماً وعطاء فقد قدّم ماله بسخاء في سبيل الله، تصدق بقوافل كاملة، وجهز الجيوش، حتى قيل إنه تصدق بنصف ماله أكثر من مرة، وفي غزوة [تبوك] قدم نحو نصف ماله تقريبًا، فدعاه رسول الله ﷺ بالبركة، مؤكدًا عظيم أجره ومكانته بين أهل الإيمان.
زواجه من تماضر بنت الأصبغ الكلبي:
أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على سرية إلى دومة الجندل، و وجهه بـ وصايا جامعة تجسد أخلاق الإسلام في السلم والحرب، فأمره أن يدعو القوم إلى الإسلام بالحكمة والصبر، وأن يلتزم العدل فلا يغل ولا يغدر، وألا يعتدي على ضعيف أو يقتل وليد.
فانطلق عبد الرحمن رضي الله عنه ممتثلًا أمر رسول الله ﷺ، وأقام في القوم ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام بالحجة والرفق، حتى شرح الله صدورهم للحق، فكان أول من أسلم زعيمهم الأصبغ بن عمرو الكلبي، فتتابع الناس على الإسلام.
وكان رسول الله ﷺ قد أشار عليه، إن استجاب القوم، أن يتزوج من بيت زعيمهم توثيقًا لأواصر المودة، فلما أسلموا خطب عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، فقبلت، وتم الزواج المبارك، وأنجبت له أبا سلمة، الذي صار من كبار التابعين وفقهاء المدينة.
الصحابي الوحيد الذي صلي خلفه رسول الله ﷺ:
كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الصحابي الوحيد الذي صلى خلفه رسول الله ﷺ، وكان ذلك في غزوة [تبوك]، حين أقترب وقت صلاة الفجر واحتاج رسول الله ﷺ للوضوء، ولشدة حيائه ﷺ ابتعد عن الجيش، حتى كادت الشمس أن تطلع، فأقام الصحابة الصلاة وقدموا عبد الرحمن حرصا على أدائها في وقتها، فلما قام عبد الرحمن في الركعة الثانية، لحق به رسول الله ﷺ وأتم الصلاة معه، ولما سلم عبد الرحمن والتفت الصحابة خلفه، فوجئوا برسول الله ﷺ ، لكنه أقرّهم على تصرفهم وحرصهم على صلاة الفجر في وقتها.
رجاحة العقل:
كانت رجاحة العقل وسداد الرأي من أبرز سمات عبد الرحمن بن عوف، حتى أصبح مستشارا موثوق به لدى خلفاء المسلمين بعد رسول الله ﷺ، وظل ذلك حتى وفاته رضي الله عنه في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.
الكرم والجود:
كان عبد الرحمن رضي الله عنه مثالا لـ الكرم والجود، فقد أهدى بعد وفاة رسول الله ﷺ أرضا لأمهات المؤمنين بيعت بـ [40 ألف دينار]، تأكيدا على حبه و وفائه لرسول الله ﷺ وحرصه على عدم ظلم أي من زوجاته بعد وفاته.
أمين أهل السماء وأمين أهل الأرض:
عُرف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالأمانة، فقد كان أحد الستة الذين أوكل إليهم اختيار خليفة للمسلمين بعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد أقره رسول الله ﷺ يومًا قائلاً:
{أنت أمين في أهل السماء، أمين في أهل الأرض}.
الصحابي الذي باركه النبي ﷺ في تجارته:
كان عبد الرحمن رضي الله عنه نموذجا فريدا في الإدارة الاقتصادية، فقد باركه رسول الله ﷺ في تجارته، فكان لو اشترى التراب لربح فيه.
يروى أنه أعطاه رسول الله ﷺ دينارا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدينار، فجاءه بدينار و شاة، فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة، فزاد الله رزقه وغناه، وكان معروفا عنه ذكاءه في التجارة مع الحرص على الزهد الشديد، حيث كان يخشى فتنة المال والحساب يوم القيامة، ويقول:
{ابتلينا مع رسول الله ﷺ بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء فلم نصبر}.
في إشارة إلى حذره من مغريات الدنيا، ليجسد نموذج الصحابي المؤمن الذي جمع بين الزهد في الدنيا والعطاء في سبيل الله، فكانت حياته خير شاهد على عظم الجهد في نصرة الدين الاسلامي.
عبد الرحمن بن عوف… زهد في الخلافة ليكون نموذجٌ فريد لقائد آثر مصلحة الأمة على ذاته:
في عهد الفاروق عمر بن الخطاب كان عبد الرحمن بن عوف من أبرز مستشاريه، وقد صحبه إلى منطقة الجابية للقاء أبو عبيدة عامر بن الجراح وقادة الجيوش في بلاد الشام إبّان طاعون عمواس.
و طاعون عمواس هو وباء شديد من نوع الطاعون مرض معدي قاتل، وقع في بلاد الشام في صدر الإسلام، [سنة 18 هـ]، وتحديداً في قرية تسمى عمواس، الواقعة بين القدس والرملة في فلسطين، ولذلك سُمّي بهذا الاسم، وهناك أيد عبد الرحمن بن عوف رأي عمر بعدم دخول أرض الوباء، مستندا إلى حديث سمعه من رسول الله ﷺ في النهي عن دخول الأرض التي وقع بها الطاعون.
كما كان لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه دورٌ علميٌّ مهم في بيان الأحكام، فقد حسم خلافا بين الصحابة بعد فتح بلاد فارس حول حكم أخذ الجزية من المجوس، فبيّن أن النبي ﷺ قد أخذها من مجوس هَجَر.
والمجوس هم قوم كانوا يعبدون النار، ويؤمنون بوجود صراع بين الخير والشر، وكانوا منتشرين قديمًا في بلاد فارس إيران حاليًا وبعض مناطق الجزيرة العربية مثل “هجر”.
معتقداتهم باختصار:
– هو تقديس النار واتخاذها رمزا للنور والطهارة.
– الإيمان بإله للخير وآخر للشر، ولديهم كتب دينية خاصة بهم مثل “الأفستا”.
كما ذُكر المجوس في القرآن الكريم في قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ}.
و يُعاملهم الإسلام معاملة قريبة من أهل الكتاب في بعض الأحكام، مثل جواز أخذ الجزية منهم.
بعد وفاة أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحد الستة الذين عهد إليهم الفاروق أمر الشورى لاختيار خليفة للمسلمين، ورغم استحقافه و مكانته الرفيعة، آثر الزهد في المنصب، وتنازل عن حقه في الخلافة، متجردًا لله، متحمّلًا أمانة الاختيار، حتى انتهى برأي المسلمين إلى مبايعة عثمان بن عفان رضي الله عنه، بعد مشاورات واسعة جسدت أعلى معاني المسؤولية والعدل، واختار عبد الرحمن بن عوف أن يكون عونا أمينا لخلفاء المسلمين، لا طالبًا للسلطة، بل ناصحا مخلصا.
عبد الرحمن بنُ عوف… قلبٌ فرُّ من تاجِ السُّلطةِ اتقاءً لفتنتها في عهد عثمان بن عفان:
في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ظل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه محتفظا بمنزلته الرفيعة ومكانته المرموقة، كما كان في عهد الفاروق، لما عُرف به من رجاحة العقل وسداد الرأي، وفي[ سنة 24 هـ]، استخلفه عثمان على الحج، فخرج بالناس أميرًا عليهم، مؤديًا هذه المهمة الجليلة بما عُرف عنه من أمانة وحكمة.
ومع هذه المكانة، بقي عبد الرحمن زاهدًا في الولاية، معرضًا عن مظاهر السلطة، فقد أرسل إليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من يلمّح له بالدعوة إلى نفسه في أمر الخلافة، فكان جوابه حاسمًا ، إذ قال:
«ثكلتك أمك! إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس»..
في تعبيرٍ صادق عن إدراكه لثقل الأمانة وعِظم المسؤولية، وقد رُوي أن عثمان رضي الله عنه هم أن يعهد إليه بالخلافة من بعده، فلما ألم به المرض، دعا كاتبه حُمران، وأمره أن يكتب العهد لعبد الرحمن، فمضى إليه يُبشّره بذلك، غير أن عبد الرحمن، وقد امتلأ قلبه خشيةً من الله، لم يرَ في ذلك تشريفًا بقدر ما رآه ابتلاءً عظيمًا، فقام بين القبر والمنبر داعيًا:
{اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر، فأمتني قبله}
فلم تمضي إلا أشهر يسيرة حتى توفاه الله، و كأن دعاءه كان خاتمة صدق وزهد لرجل آثر السلامة في دينه على مُلكٍ زائل، وهكذا ظل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مثالا فريدا في الزهد في السلطة، والتجرد لله في السر والعلن.
وفاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:
توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في المدينة المنورة [سنة 32 هـ]، في البقيع عن عمر ناهز اثنتين وسبعين سنة، بعد حياة عامرة بالإيمان والعمل الصالح، وقد خلف مالا وفيرا، غير أنّه خلف قبل ذلك سيرة أعظم شأنا وأبقى أثرا، سطرها بـ الإخلاص والبذل والعطاء في سبيل الله.
وقد صلّى عليه الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ودفن في البقيع، مودّعًا الدنيا بعد مسيرة حافلة بالجهاد، والصدق في العمل، و سخاءٍ لم يعرف حدودا.
رحم الله الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقد كان نموذجا فريدا للمؤمن التقي.. عاش كريمامًا ومضى كريما.

نبذه عن الكاتب:
ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في الأخبار الفنية والثقافية، أجرت حوارات صحفية مع نخبة من أبرز نجوم الفن في الوطن العربي، وتشغل حاليًا منصب مساعد رئيس التحرير ورئيس قسم الفن بمؤسسة [اليوم للإعلام] التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، والتي تضم عددًا من الإصدارات الصحفية، من بينها جريدة أسرار المشاهير، اليوم الدولي، أخبار مصر 24، وجريدة تريندات العالم في جمهورية مصر العربية.
انطلقت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية،عبر جريدة [إبداع] في الرياض، قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، من بينها جريدة [الثائر] وجريدة [المغرد] في لبنان، وجريدة [النهار] في المغرب، ومجلة [النهار] في العراق، ومجلة [المحور] في الكويت.
كتبت ريهام طارق أيضا في مجال السياسة الدولية وسوق المال الأمريكية والأوروبية، كما شغلت عضوية اللجنة الإعلامية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتعمل حاليًا على تقديم محاضرات متخصصة في الصحافة بمدينة مسقط سلطنة عمان.

