فيلم «القديس شربل»… حين تتحول السيرة الروحية إلى ملحمة سينمائية تنبض بالإنسان
تقرير – أمجد زاهر
لا يبدو فيلم «القديس شربل» للمخرج اللبناني “نديم مهنا” مجرد عمل ديني تقليدي يستعيد سيرة راهب تحوّل إلى قديس، بل يقدّم نفسه منذ مشاهده الأولى – كما يوحي التريلر – كعمل سينمائي ملحمي وإنساني، يعيد تعريف كيفية تقديم الشخصيات الروحية الكبرى بلغة الصورة، بعيدًا عن الوعظ المباشر أو التقديس الجامد.
الفيلم يتتبع المسار الإنساني والروحي لـ يوسف مخلوف، الطفل الذي نشأ في بيئة ريفية قاسية، قبل أن يصبح لاحقًا القديس شربل، أحد أكثر الشخصيات الروحية تأثيرًا في تاريخ المشرق.
لكن اللافت أن الفيلم لا يبدأ من القداسة، بل من الإنسان، من الطفل الذي يدق جرس الكنيسة بقوة تفوق عمره، وكأن النداء الإلهي كان أقوى من جسده منذ البداية.
الصراع الإنساني قبل المعجزة
أحد أهم مكاسب الفيلم، كما يظهر من التريلر، هو تركيزه على الصراع الإنساني الداخلي، لا على المعجزات وحدها.
لحظة وداع يوسف لأمه ليست مجرد مشهد عاطفي، بل حجر الأساس الدرامي للعمل. جملة الأم: «يوسف راح ع الدير ومش رح يرجع» تختصر وجع الفقد، وتضع المشاهد أمام معادلة صعبة: القداسة ثمنها الفراق.
هنا ينجح نديم مهنا في تقديم القديس بوصفه إنسانًا اختار طريقًا قاسيًا، لا ككائن سماوي بلا ألم.
هذا التوازن بين الدعوة الإلهية والروابط العائلية يمنح الفيلم بعدًا إنسانيًا يجعل المتلقي – حتى غير المتدين – قادرًا على التماهي مع التجربة.
أداء يعتمد على الصمت ولغة الجسد
يقدّم الممثل الذي يجسد شخصية شربل أداءً يعتمد على “الاقتصاد في التعبير”، حيث تصبح العينان والجسد أدوات السرد الأساسية.
الصمت هنا ليس فراغًا، بل لغة كاملة. الانحناء التدريجي للجسد، النظرات المتجهة نحو الأرض أو السماء، الحركة الهادئة الخالية من الاستعراض… كلها عناصر تصنع شخصية ناسك اختار أن يختفي ليكون حاضرًا.
في المقابل، تلعب شخصية الأم دورًا عاطفيًا محوريًا، إذ تمثل العالم الذي تركه شربل خلفه. أداؤها الواقعي، البعيد عن المبالغة، يرسّخ فكرة أن القداسة لا تُولد من الفراغ، بل من رحم الألم الإنساني.

الطبيعة اللبنانية كبطل خفي
يُعد توظيف “الجغرافيا اللبنانية” أحد أبرز عناصر القوة في الفيلم. وادي قاديشا، بقاع كفرا، وعنايا ليست مجرد أماكن تصوير، بل شخصيات حية تشارك في السرد.
الجبال الشاهقة، الأديرة المنحوتة في الصخر، الثلوج، والكروم… كلها تتحول إلى مرآة بصرية للحالة الروحية.
اللقطات الواسعة المصوّرة بالدرون تمنح إحساسًا بعظمة الخالق وضآلة الإنسان، بينما تخلق اللقطات القريبة إحساسًا حميميًا مع تفاصيل الصلاة والعمل اليدوي.
هذا التباين بين الاتساع والضيق يعكس الصراع بين الخارج القاسي والداخل المتسع روحيًا.
رؤية إخراجية شاعرية وواقعية في آن واحد
يعتمد نديم مهنا على مزيج دقيق من الواقعية التاريخية والشاعرية البصرية.
الإضاءة الطبيعية وضوء الشموع يمنحان المشاهد طابعًا تعبديًا قريبًا من لوحات عصر النهضة، بينما يخلق التدرج اللوني انتقالًا واضحًا بين دفء الطفولة وصلابة الحياة الرهبانية.
الألوان الدافئة في مشاهد المنزل تقابلها ظلال باردة في الدير، في إشارة بصرية إلى الانتقال من العالم إلى الزهد.
أما الضوء الذهبي في لحظات الصلاة، فيعمل كرمز للقداسة وسط العتمة، دون الوقوع في فخ المباشرة.
رمزية بصرية وصوت يهمس أكثر مما يصرخ
الفيلم غني بالرموز: الجرس كنداء إلهي، الأفعى كرمز لترويض الشر، المصباح المملوء بالماء كإشارة لمعجزة مشهورة، لكن الأهم أن هذه الرموز لا تُقدّم بوصفها استعراضًا، بل كجزء عضوي من النسيج الدرامي.
شريط الصوت بدوره يلعب دورًا أساسيًا؛ أصوات الريح، الحجر، الصمت، كلها عناصر تعزز الإحساس بالزمن والمكان، وتمنح الفيلم بعدًا حسّيًا يُعرف بـ«السينما الملموسة»، حيث يشعر المشاهد بخشونة الحجر وبرودة المغارة.
القديس مارشربل… التحدي الأكبر
أصعب ما في أفلام السير الروحية هو تجنب تحويل الشخصية إلى تمثال.
ويبدو أن «القديس شربل» ينجح – مبدئيًا – في هذا التحدي، عبر تقديم بطل يتألم، يتعب، يصمت، ويختار، قبل أن يصبح قديسًا.
الفيلم لا يقدّم معجزات فقط، بل رحلة إنسانية عن البحث عن المعنى، وعن الانتصار على الذات قبل الانتصار على العالم.
خلاصة
من خلال التريلر، يبدو فيلم «القديس شربل» عملًا سينمائيًا طموحًا يرفع سقف أفلام السير التاريخية والروحية في المنطقة.
هو ليس فيلمًا دينيًا بالمعنى الضيق، بل قصيدة سينمائية عن الإنسان حين يختار طريق النور وسط العتمة.
إذا حافظ الفيلم على هذا المستوى من الرؤية والإتقان، فإنه مرشح بقوة للعرض في مهرجانات دولية، ولأن يكون علامة فارقة في تاريخ السينما اللبنانية والعربية، حيث تلتقي الجغرافيا بالروح، والتاريخ بالصورة، والقداسة بالإنسان.

