تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
مجلس السلام أحادي القطب … بقلم: د.حكيمة جعدوني
في الخطاب الدولي المعاصر، يعلو كيان يطرح على أنه مجلسًا للسلام، غير أنّ بنيته العملية وخطابه السياسي يشيان بوظيفة أخرى؛ قرارات تسيّر بمنطق القوّة، وتشرعن بعبارات أخلاقية مصقولة تخفي حقيقة الهيمنة. فالمجلس، في هيئته الراهنة، يعمل كأداة صراع، ويعيد إنتاج مناخ الحرب بدل إخماد شرارتها.
القوانين الصادرة من داخل هذا الإطار، تحت القيادة الأمريكية، تكشف توجّها قائما على التحريض وتغذية الكراهية وفرض المسارات السياسية بالقسر المالي والسيادي. تدفع الدول إلى تسديد أثمان عضويتها بالمليارات، ثم تقصى عن نطاقات التأثير، فيتطوّر المجلس من فضاء تشاركي إلى بنية عنصرية، توجّه فيها المصالح بعقلانية الابتزاز، ويقتصر القرار في يد واحدة.
مجلس السلام، في الصعيد السياسي والأخلاقي، يقوم على التشاور وتكافؤ الأعضاء وتوازن السلطات. تتساوى فيه الدول في الوزن السياسي، وتحضّر وتؤطّر القرارات بعقل جماعي يراعي مصالح الشعوب، لا تعليمات وأوامر من القوى الكبرى. وهو مجلس يدرس تبعات قراراته قبل إصدارها، ويحترم سيادة الدول وحقّها في تقرير مصيرها، دون فرض تنازلات إقليمية أو تهديدات عسكرية تحت مسمّى الشرعية الدولية.
حرية الدول في الانضمام إلى الأطر الدولية مبدأ أصيل، وأي كيان يقايض السلام بالعضوية، أو الأمن بالطاعة، يفقد شرعيته الأخلاقية والسياسية معا.
وإن كان هذا المجلس قد أُنشئ فعلا من أجل السلام، فإنّ مسؤوليته الأولى تتمثّل في وقف الحروب، وإعادة الحقوق إلى الأقليات كما يحدث مع الإيغور المسلمين، وردّ الأراضي إلى أصحابها كما يحدث مع الشعب الفلسطيني المحتلّ، ومحاسبة الدول التي خاضت صراعات بدوافع اقتصادية قائمة على نهب الثروات واستغلال الشعوب كما تفعل إسرائيل الطاغية.
ويقتضي هذا المسار مساءلة القوى الكبرى دون استثناء:
مساءلة الولايات المتّحدة عن سياساتها القائمة على استنزاف موارد الدول،
ومساءلة إسرائيل عن اعتداءاتها المتكرّرة بحقّ جيرانها وما ترتّب عنها من إبادة جماعية بحقّ الشعب الفلسطيني،
ومساءلة الصين عن انتهاكاتها الواسعة لحقوق الإيغور، تركستان الشرقية،
ومساءلة الهند عن ممارساتها التمييزية تجاه الأقلّيات المسلمة.
المزيد من المشاركات
فالعدالة الدولية تفقد معناها حين تطبّق انتقائيا، وتتحوّل من ميزان أخلاقي إلى أداة تبرير.
ويقع على عاتق أي مجلس يدّعي السعي إلى السلام واجب حماية كرامة المهاجرين. فالهجرة خيار إنساني نابع من البحث عن حياة أكرم، ومن مسؤولية الدول المستقبِلة توفير الحماية والمعاملة الإنسانية المثلى. وكل أذى يلحق بالمهاجرين يستوجب المساءلة، سواء تمثّل في الإقصاء أو الترحيل القسري أو الانتهاكات الجسدية. وإن تعذّر الإدماج، تبقى الكرامة شرطا أخلاقيا سابقا لأي إجراء.
تبدو بنية هذا المجلس أداة ضغط سياسي على الدول الخارجة عن مساره العام. فتركيز القرار في يد واحدة يقوّض مبدأ المساوات والعدال، ويحدث اختلالا في الميزان.
والعدل بطبيعته يحتاج كفّتين: واحدة لوزن الحق، وأخرى لوزن الباطل. أمّا الاكتفاء بكفّة واحدة، فيجعل الحقيقة خاضعة للقوّة بدل المعيار.
ويتجلّى الفشل الأخلاقي بوضوح في القضية الفلسطينية: شعب يُهجّر من أرضه، وتصادر حقوقه وأملاكه، ويترك لمصيره، في مقابل صمت أو بيانات شكلية. فالتدخّل الفوري لوقف التهجير وإعادة الأرض إلى أصحابها يمثّل الحدّ الأدنى لأي خطاب سلام صادق.
وأما القادمون من أصقاع الأرض يملكون أوطانا يعودون إليها، فأصحاب الأرض الأصليون، حقّهم متجذّر فيها.
لقد رسّخت تجارب الشعوب مع الأمم المتّحدة والمنظّمات الدولية قناعة مفادها أنّ القرار يصنع حيث تجتمع القوّة والمال والنفوذ. وفي هذا السياق، ينظر إلى مجلس السلام كواجهة لغوية تروّج للهيمنة تحت عنوان الاستقرار. فكيف يدعى حاكم أمريكا السلام بعد سقوط مئة ألف قتيل بريء على يديه؟ وكيف تطلب الجوائز الأخلاقية، كجائزة نوبل للسلام، على أنقاض الأطفال الجوعى؟
المقال التالى


