من ذكريات الطفولة بالمسرح المدرسي!
بقلم / حمادة سعد
أحيانا يأخذك الحنين لأوقات معينة ، وأماكن بعينها ارتبطت في مخيلتك و وجدانك فلا تكاد تنفك عنها ، أو تنفك عنك ، و تتمنى أن لو تعود بك السنون لتلك الأيام الخوالي مختنقا بعبراتك الحارة حتى يكاد صدرك أن ينشق عن قلب متلهف متئد .
هذه الأيام أتعقبها بمخيلتي كمن يتقفى الأثر وسط الرمال الملتهبة غير عابيء بشيء إلا الوصول إلى غايته.
ولأن الرياح قد تكون عدوه الأول الذي يخرب عليه الوصول إلى غايته المنشودة ؛ لذا فهو حريص كل الحرص على الإسراع، ومسابقة الزمن ؛ كي لا يرجع من صحرائه بخفي حنين.
ورياحنا هنا رياح لا تبقي ولاتذر . وهي كدوامة يحيا فيها الجميع سعيا وكدا خلف لقمة العيش فلا مجال للذكريات ، أوالخلو مع الذات – ولو للحظة – في عصر طغت فيه المادة ، وتسارعت فيه الأحداث ليغلب فيه الكم على الكيف ، والمظهر على الجوهر ، والواسطة على الكفاءة وضاعت معه الكثير من القيم ،واختفت فيه العادات والتقاليد الأصيلة لتحل مكانها أبجديات جديدة مستحدثة ما أنزل الله بها من سلطان.
ويشاء الله القدير أن يرسل لي صديق من أصدقاء عهد الطفولة الجميل صورة يفور معها القلب فوران القدور على المراجل تعود إلى حقبة من أسعد وأجمل فترات حياتي .
تعود الصورة لعرض مسرحي بعنوان (الشيخ محمد) قمنا بتقديمه منتصف ثمانينيات القرن الماضي كضيوف زائرين إلى مدرسة أخرى وهي مدرسة هوارة المقطع الابتدائية المشتركة بمحافظة الفيوم.
هذه المسرحية تحديدا كانت بمثابة الشعلة الأولى لطفل عاشق لفن المسرح بأجوائه الساحرة .
وقد لعبت الصدفة البحتة الدور الأكبر في مشاركتي بهذا العرض ، حيث كنت قد خرجت من الفصل لأحضر (عصا) من نبات الخروع من الحديقة المجاورة للمدرسة لمعلم الرياضيات الذي كان يسلمنا الشهادت الشهرية وهو في قمة الغضب بسبب الدرجات المتدنية لبعض الطلاب – الذين لم أكن منهم بالطبع – فقد كنت من أوائل الطلاب ، ومن أصحاب الحظوة بوضع شارة الشرطة المدرسية التي لم تكن تمنح وقتها إلا للطلاب المتميزين .
وأنا بين سيقان نبات الخروع سمعت أصواتا غريبة ونغمات تتصاعد تارة وتنخفض تارة أخرى ،ثم يعقبها بعض الضحكات إلى أن يقطعها صوت معلم التربية البدنية ( الألعاب سابقا) صارخا مش كده يا ابني حرام عليك.
اقتربت أكثر فأكثر .. فإذ به الأستاذ (جابر) -معلم الألعاب- يقوم بتجهيز الطلاب لعمل مسرحي بعنوان (الشيخ محمد) وذلك تمهيدا لعرضه بمدرسة أخرى بمناسبة عيد الأم .
أخذت أتابع عن كثب وأكتم صوت ضحكاتي حتى لا يفتضح أمري ويطلب مني المعلم مغادرة المكان إلى أن حدث ما كنت أخشاه وهنا ضحكت بصوت عال لأن الطالب الذي كان يؤدي دور الشيخ محمد لم يكن متمكنا من مجاراة زملائه حتى بدا عليهم القلق والتوتر بسبب كثرة الإعادة.
لمحني الأستاذ جابر فقال لي : تعالى هنا ما تخافشي.
فقلت له : أنا أعرف أقول الكلام ده يا أستاذ كويس.
فنظر لي قليلا ثم قال متعبا: قول يا سيدي
فقلت الجملة كما أرادها بالضبط وهنا بدت علامات الرضا على وجهه وسألني قائلا: أنت عندك مين دلوقتي ؟
وهنا وقعت الجملة علي كالصاعقة واتسعت عيناي وبدأت مفاصلي ترتعد فمعلم الرياضيات كان في انتظاري ، وما أرسلني إلا لأحضار العصا فقط من الحديقة الملاصقة للمدرسة ، وها أنا أتأخر ربع ساعة كاملة وربما أكثر .
شعر الأستاذ جابر بما يجول في خاطري فابتسم قائلا : ما تخفشي أنت خلاص معانا في المسرحية وأنا اللي ناديت عليك وذهب معي إلى الفصل ليعتذر إلى معلم الرياضيات ويستأذنه في السماح لي باستكمال بقية الحصة معه لأكمال التدريب .
تمر الدقائق مع الأستاذ (جابر) ليتفاجأ بموهبة لا يستهان بها لطالب يتعطش إلى الفن والمسرح حتى أنه كان يسمح لي بتعديل جمل المسرحية ويعتمدها بدلا من النص المكتوب قائلا : الله عليك يا ابني والله حاجة في غاية الجمال ماشي قولها كده فعلا كده أحلى.
وكما يقولون أن أول الغيث قطر ثم ينهمر
فبعد هذا الموقف توالت مشاركاتي بأعمال من تأليفي داخل المدرسة وخارجها كل عام لأضيف معها بعد ذلك موهبة الشعر في المرحلة الإعدادية وكانت أول قصيدة لي بعنوان ( أين المفر؟) وهي عن الغزو العراقي للكويت وكان مطلعها:
أين المفر والنهاية أين سلطات الحماية
صورة أرسلتها صديقي العزيز أحييت معها ذكريات لا تنسى فلك الشكر والامتنان على تلك الدقائق التي منحتها لي لأنهل من عبق الماضي رغم ضغوطات الحياة.


التعليقات مغلقة.