تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
من القدس … بقلم: د.حكيمة جعدوني
راقب الغرب التجمّعات حول الملاعب بدافع قراءة السلوك الجمعي للأعراب. رأوا الجماهير تتحوّل في لحظات من حال ترفيه إلى وقود غضب وعنف، بسبب هدّاف سجّل أو كأس حمله فريق دون آخر.
استنتجوا أن الروابط بين هذه المجتمعات ضعيفة وسريعة الاشتعال، وأن العاطفة النرجسية حين تتصدّر المشهد تصنع صراعات طويلة الأمد.
كرة في ملعب قديم زهيدة القيمة وكأس نحيل أجوف باتا ذريعة للاعتداء وتفجير للخصومات ونشوب للفتن. انكسار أو انتصار عابر، خسارة أو فوز، يولّد القطيعة بين الشعوب الإسلامية، وخسارة لحظية خلقت مناخا من الكراهية استمر لعقود من الزمن. التقرير كشف استعدادا عاليا للتنازع، وبيّن قابلية واسعة للانقياد خلف الإثارة المؤقتة.
من زاوية المراقب الخارجي، بدت هذه الحشود قادرة على التجمّع الكثيف، لكنها بلا بوصلة. لو وجّه هذا الزخم نحو فكرة، أو علم، أو إنتاج، لتحوّل إلى قوة بناء.
إن تعليم الأبناء العلوم القدسية، أو الرماية، أو الفروسية، أو السباحة، أو الفنون القتالية، أو مهارات الابتكار والعمل، يصنع إنسانا متوازنا وواعيا، بينما الركض بغباء خلف كرة لن تنفع في الحياة ولا مستقبلا. كرة تستهلك الطاقة دون عائد حضاري.
السلطات تدرك طبيعة هذه الظاهرة، وتسمح بتضخّمها، لأنها تعرف مآل الشعوب المنصرفة إلى اللهو الجمعي، تتابع المباريات المحربة كونها من اللهو بشغف. الجماعات التي تلتف حول الاختراع والمعرفة هي الناجحة والمسيطرة والمتحكّمة، تمسك بزمام المستقبل، أما التي تنشغل بالملاعب فتفقد أوطانها وأطفالها ورجالها ونساءها، وتعجز عن قيادة مصيرها. هنا تتراجع القيم، وتتّسع مساحات العبث، وتزدهر الفتن والمخدرات والفحش والترّهات.
الخصوم الذين يدرسون عقلية هذه المجتمعات المتردّية الأعرابية استثمروا هذا السلوك ببرود.
عرفوا أن سلاح الكرة لوحده يكفي لإشعال الحروب والخلافات، فزرعوا أسبابا صغيرة تحوّلت إلى شروخ عميقة. دول تتبادل العداء بسبب كلمة هتاف، وزعماء يندفعون خلف انفعالات كروية لحظية، كما حدث في صدامات عربية معروفة حين قيلت الحقيقة عن اللعب والتبعية، بجرأة على لسان حاكم الدولة الليبية الراحل، هذا الرجل الشهم الذي نطق الصدق في وجوه الحكّام الأعراب فاستشاطت الخليج غضبا منه، وسعوا لقتله وتدمير بلاده وشعبه.
أصبحت كرة القدم منظارا يكشف آليات صناعة الفتن، وما يجري بين الجزائر والمملكة المغربية مثال حيّ على نزاع غذّته الانفعالات والتراشق، بينما بقيت القضايا الكبرى معلقة. في المقابل، تنشغل المجتمعات الغربية بالاقتصاد والمشاريع الاستراتيجية، وتدير خلافاتها ضمن أطر مؤسّسية تحمي أوطانها وتدعم تقدّمها.
من تأمّل سياق هذه اللعبة، رأى مستوى الوعي، وحدود العقل الجمعي للأعراب، والمسافة الشاسعة بين الترفيه والبناء الحضاري. في تقارير مراكز القرار، نجد خلاصة واحدة: الدول الأعرابية تسير من خسارة إلى خسارة. مؤسّسات متعثّرة، مشاريع متآكلة، تنمية منعدمة. أوطان متهالك لبّها قبل أطرافها، وسيادة تسرّبت بهدوء. ومع ذلك، يظهر المشهد ذاته كلّ مرّة: جماهير تركض خلف كرة كالحيوانات وكأنها تحشرهم أفواجا أفواجا إلى جحيم الخلد.
هذا المشهد التقطته الدول التي تخطّط وتكيد. شاهدوا الحشود وهي تهتف وتتصادم وتستنزف طاقتها في مدرّجات صاخبة. فهموا أن هذه المجتمعات تمنح كل ما تملكه للعبة، بينما تعجز عن حماية ما تملك في الواقع. هناك، تحوّلت الكرة إلى أداة قراءة، ومقياس وعي، وبوصلة خلل.
في الدول المتقدّمة، تأتي الرياضة في نهاية السلسلة. اقتصاد قوي، تعليم متين، صناعة مستقرّة، ثم ترفيه مدروس يدرّ الأموال ويغذي العملة ويزيد النمو. اللعبة أموالها تضاف إلى الفائض، وتدار بعقل بارد. لأن النجاح يصنع ملعبه بأيديهم ثم يفتح أبوابه. أما في المجتمعات المرهقة، فالصورة معكوسة. رغم أنهم فاشلون وخاسرون إلا أنهم يفضّلون أن تتبخّر ساعات العمل، البيوت تصمت، الأبناء ينشغلون، والاهتمام يهاجر من أماكن العمل والمنظومات التربوية إلى الشاشة. حتى أصحاب الشهادات العالية يذوبون في الزحام، ينسون مواقعهم، يصبون جلّ اهتمامهم في نشرة رياضية لكرة تلتهم مصيرهم قبل وقتهم .
لماذا يهزمون حتى في اللعب؟
الجواب معروف في غرف التخطيط. اللعبة نفسها مرسومة المدار، مبرمجة ومخطّطة، محدّدة الأدوار، موزّعة المكاسب. الجماهير تدفع، تنبح، تتشاجر وتتضارب كالحيوانات، ثم تعود محمّلة بالفراغ والفشل الذريع. الجوار يتوتّر، العلاقات تصدأ، القيم تنسحب، والتخلّف قابع في أوطانهم، خاسرون مع ربّهم وفي دنياهم وآخرتهم والخصم يراقب التجربة تنجح معهم مرّة بعد مرّة.
الملاعب تشبه حظائر الحيوانات:
فتح البوابات يتمّ في الموعد،
توجيه الحشود يتمّ بإشارة،
تفريغ الغضب يتمّ خلال تسعين دقيقة، ثم يعاد الجميع إلى حياتهم القديمة محملين بالإرهاق، كما في عروض المصارعة، النتيجة معروفة، والإثارة كافية، والدور محفوظ.
كل شيء معدّ بعناية لإشغال الجماهير، بينما الدول المتحكّمة يتقدّمون، يخطّطون، في الوقت الذي تنشغل فيه حشود الأعراب التي لم تتجاوز سنّ المراهقة بعد، بالمدرّجات والشاشات.
كانت القوى الكبرى ترسم الخرائط الجيوسياسية، وتستولي على ثروات دول العالم الثالث، وتتحكّم في النفط والممرّات وتصنع التاريخ.
المزيد من المشاركات
هنا يأتي السؤال القاسي: هل كان الغرب محقّا لمّا قال أن الأعراب مجرّد حيوانات؟ هل هذه مجتمعات واعية؛ تعقل ما يفعل بها أم كائنات تستجيب للشهوات فحسب ولكلّ مثير لغرائزها، ثم تعود مجددا إلى القفص؟
في علم السلوك، الكائن الذي ينشغل بما يقدّم له ويغفل عمّا يؤخذ منه من نفيس؛ كالشرف والوطن والعزّة والكرامة يوصف بغياب الإدراك. هذا ما التقطته مراكز الرصد حين رأت جماهير الأعراب تركض خلف الكرة، بينما القدس تُسلب، والشرق الأوسط يقسّم إلى قطع، والثروات تتحوّل إلى أرقام وتشحن في بنوك بعيدة.
بعد مئة سنة من الآن، سيجلس أحفاد العرب ويسألون آباءهم سؤالا بسيطا واحد، يكشف الحقيقة المرّة الدامغة: ماذا كنتم تفعلون حين كانت إسرائيل وأمريكا تصادر أراضيكم على كامل التراب العربي والشرق الأوسط، والأقصى يحاصر، وسيادتكم تتبخّر؟
وشرفكم يهان!؟
سيأتي جوابكم مرتبكا: كنا نشاهد مباريات كرة القدم، نعدّ الأهداف، ونختلف حول حكم وركلة.
عندها سيصمت الأحفاد طويلا، ثم يهمسون بأن: هكذا تماما هو سلوك القردة؛ يقوم على الانشغال بما يلمع، بينما تؤخذ منها الثمار. القردة تلهيها الحركة، فتنسى الخطر. والجماهير تلهيها كرة تتدحرج بين الأقدام وتبث على الشاشات، فتنسى مصيرها. يركضون في الطرقات خشية ضياع لقطة، وكأن المدرّج بوابة خلاص، أو صافرة الحكم موعد نجاة وطريق إلى التطوّر.
وحين يسألون عن زمن الاستعمار الفرنسي للجزائر، هل كان شعبها يشاهد كرة القدم وقتها؟؟
سيأتي الجواب مختلفا: كان الأجداد يقاتلون، يضحّون، يحرّرون، ويدفعون الثمن: دما وشهادة. لم يكن المدرّج مسرحهم، بل الجبال والوديان والسجون.
أليست هكذا الشرف أرقى وأفضل؟ أم تفضلون شعوب منهكة بلا كرامة، يأخذون حازوق مغلّف بكرة القدم؟؟؟
تلك مقارنة تحرج الحاضر وتفضح الفارق بين شعب يصنع تاريخه، وجموع اليوم التي تستهلك وقتها في متابعة كرة قدم.
بينما يتم الاستلاء على الأقصى، أنتم تشاهدون كرة القدم ؟؟؟ والمصيبة أنكم تخسرون.
اليوم، تستباح المقدّسات، ويستحوذ على الشرق الأوسط تدريجيا، والأعراب ما تزال ترفع أعلام الفرق. الخسارة هنا مضاعفة: خسارة في الواقع، وخسارة في اللعبة نفسها. الفشل يضحى نمط حياة، ويتنقل من الاقتصاد إلى السياسة ثم إلى المدرّجات.
سيضع أحفادكم وجوههم في الأرض خجلا، حين يسمعون أنكم اعتبرتم كرة القدم مفخرة. سيطلبون منكم جوابا يليق بالتاريخ، فتقولون بكل جديّة أنكم كنتم تشاهدون فخركم يجري بين الأفخاذ فوق العشب. عندها سيدركون أن فخركم المنحطّ صار جلوسا طويلا على العشب من دون ضمير، ونباحا عابرا للكلاب ونطا للقردة.
سيضحك الزمن من هذا الاعتراف. سيقارنون بين ما ضاع من أرض، وما خسرتموه من أهداف، بين مقدّسات سلبت منكم، وكأس لم ترفعوها قطّ.
ومع ذلك، يأتي من حكامكم ليصحّحوا لكم العبارة ساخرين من غباءكم: مباريات كرة القدم تهدف إلى نيل الأقصى أقصد الكأس .. هه. السباق الحقيقي كان نحو الأقصى، حيث حسمت النتائج، بينما انشغلتم أيها الأغبياء في الركض خلف كرة، وصفّقتم طويلا لخسارتكم الكبرى.
ثم تأتي السخرية العظمى:
،؛، قالوا إن المصريين نزلوا إلى الملاعب فأشعلوا فتنة بالهتاف لنيل الأقصى…أقصد الكأس، وقالوا إن الجزائريين بكوا مرارة حين خسروا الأقصى على لوحة النتائج، أعلنوا الحداد، وقالوا إن الأعراب قلبوا الملاعب رأسًا على عقب، وكسّروا كل شيء، لأنهم خسروا الأقصى في مباراة نتيجتها مخطّط لها مسبقا.،؛،
أي عبث هذا، وأموال الرهان صودرت، والعقود اغلقت، والفرق عادت محملة بالفراغ، خاوية الوفاض!
يا لها من مفارقة فادحة: صار شرف الأوطان خبرا عاجلا يمر على الشريط الأحمر لثوان، وصارت الكرامة فقرة تحليلية قصيرة بعد صافرة نهاية مباراة، وبات الاقتصاد رهانا خاسرا بعد ساعة من التفاوض، وبقي الأقصى حقيقة خارج البث المباشر. في تلك اللحظة تحديدا، كانت الكرة المنفوخة بشهيق وزفير الشيطان تدور فوق الملعب: تسلب العقول، بينما أرض العرب تقسّم تحت الطاولة.
المقال السابق

