مهرجان المسرح العربي ال١٦…يحتفى بالمؤسسات الحاضنة للحلم المسرحى المصرى
تقرير_ أمجد زاهر
في بادرة نوعية تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة التكريم، خصّص مهرجان المسرح العربي، ضمن فعاليات دورته السادسة عشرة، مؤتمرًا صحفيًا استثنائيًا لتكريم أربع مؤسسات مسرحية فاعلة شكّلت عبر عقود طويلة العمود الفقري للحركة المسرحية المصرية، وذلك خلال مؤتمر عُقد بالمجلس الأعلى للثقافة، بحضور قيادات مسرحية ونقاد ومبدعين.
وجاء هذا التكريم ليؤكد أن المسرح لا يُبنى فقط بالنجوم، بل بالمؤسسات التي تزرع البذرة الأولى، وتحتضن التجارب، وتصنع المسار طويل الأمد. وشملت الجهات المكرَّمة: المسرح الكنسي (مهرجان الكرازة المرقسية)، الجمعية المصرية لهواة المسرح، مركز الإبداع الفني، وتجربة نوادي المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة.
المسرح الكنسي… من نشاط محدود إلى مشروع تنموي
قال القمص إنجيلوس، منسق عام مهرجان الكرازة المرقسية، إن المسرح داخل الكنيسة تجاوز منذ سنوات فكرة النشاط الفني الموسمي، ليتحول إلى مشروع تنموي متكامل يخاطب المجتمع، ويناقش قضاياه الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية.
وأوضح أن هذا التحول لم يكن عفويًا، بل نتاج رؤية واضحة تستهدف بناء الإنسان فكريًا ووجدانيًا.
وأشار إلى أن جذور مهرجان الكرازة تعود إلى عام 1986، قبل أن يتبلور بشكله المؤسسي الحالي عام 2004، ليصبح مشروعًا سنويًا منظمًا يعتمد التخطيط طويل المدى، حيث يبدأ الإعداد لكل دورة قبل عام كامل. وأضاف أن المهرجان يشمل كل كنائس مصر عبر مراحل تصعيد دقيقة، ويستقبل آلاف النصوص سنويًا تخضع لمراجعات متخصصة.
وأكد أن المهرجان يغطي مختلف المراحل العمرية، ويقدم أنماطًا مسرحية متعددة، من المسرح الكبير إلى مسرح الطفل والعرائس والمسرح الحركي، إلى جانب اعتماده المكثف على التدريب وبناء الكوادر، ما جعله منصة لاكتشاف المواهب وتأهيلها للمشاركة في المهرجانات القومية والدولية.
نوادي المسرح… مساحة الحلم الأولى
من جانبها، أكدت سمر الوزير، مدير عام إدارة المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة، أن تكريم مشروع نوادي المسرح هو اعتراف بمسيرة طويلة من العمل الثقافي الجاد، مشيرة إلى أن المشروع يُعد أحد أهم المشروعات المسرحية المستدامة في مصر.
وأوضحت أن نوادي المسرح انطلقت على يد الراحل الدكتور عادل العليمي، كمساحة حرة للشباب داخل قصور الثقافة، تسمح بالتجريب وكسر القوالب التقليدية. وأضافت أن المشروع يعمل عبر ستة أقاليم ثقافية، ويخضع العروض لمناقشات جادة مع لجان متخصصة، وصولًا إلى مهرجان ختامي وورش فنية متقدمة تُفرز أجيالًا جديدة من المخرجين، كثير منهم شق طريقه لاحقًا إلى المهرجان القومي للمسرح المصري.
الهواة… مسرح القاعدة والجذور
بدوره، قال عصام عبد الله، ممثل الجمعية المصرية لهواة المسرح، إن تكريم الجمعية يمثل تقديرًا لعمل تطوعي وجماعي ممتد منذ تأسيسها على يد الراحل د. عمرو دوارة. وأكد أن الجمعية لعبت دورًا محوريًا في اكتشاف المواهب ودعم الفرق غير القادرة على الإنتاج، وأسهمت في تخريج أسماء بارزة في المسرح المصري.
وأشار إلى أن الجمعية لم تكتفِ بتنظيم مهرجانات، بل سعت إلى بناء حركة مسرحية مستمرة، عبر إتاحة المسارح، وتنظيم الندوات، ودعم الفرق في مختلف المحافظات، إيمانًا بأن المسرح الحقيقي يبدأ من القاعدة.
مركز الإبداع الفني… صناعة الفنان لا النجم
أما المخرج خالد جلال، فأكد أن مركز الإبداع الفني يمثل أحد أهم المشروعات الثقافية التي أسهمت في ضخ دماء جديدة في المسرح المصري، مشيرًا إلى أن المركز قام منذ تأسيسه على فكرة صناعة الفنان، لا تقديم دورات عابرة.
وأوضح أن المركز، الذي كان في الأصل مخزنًا لأدوات بناء دار الأوبرا، تحول إلى فضاء مسرحي فاعل بفضل رؤية مؤسسية ودعم حقيقي، خاصة من الفنان فاروق حسني. وأضاف أن المركز خرج آلاف المبدعين في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا، وأن كثيرًا من وجوه المشهد الفني الحالي هم من خريجيه.
فلسفة التكريم… حين يُحتفى بالمشروع
وفي كلمته، أوضح المخرج عصام السيد أن هذه الدورة شهدت استثناءً مدروسًا بتكريم مؤسسات لا أفراد فقط، نظرًا لخصوصية إقامة المهرجان في مصر، مؤكدًا أن الاختيار استند إلى معايير واضحة، في مقدمتها وجود مشروع مسرحي متكامل، والاستمرارية لأكثر من عشرين عامًا، والعمل غير الربحي.
وأكدت المداخلات النقدية، من بينها كلمات أحمد خميس ومحمد سمير الخطيب، أن الجهات المكرمة تمثل المدخل الحقيقي لتكوين الفنان المسرحي عبر الأجيال، فيما شدد غنام غنام على أن المعيار الأهم لتقييم أي تجربة مسرحية هو وظيفتها الاجتماعية ودورها داخل مجتمعها.
وهكذا، لم يكن هذا المؤتمر مجرد احتفال، بل إعلانًا واضحًا بأن مستقبل المسرح يبدأ من المؤسسات التي تؤمن بالحلم، وتعمل بصمت، وتصنع الأثر قبل الضوء.

