يا خائنَ الدار … بقلم: سعيد إبراهيم زعلوك

صورة
0

يا خائنَ الدار         

بقلم: سعيد إبراهيم زعلوك           

يا خائنَ الدارْ…
يا ظلًّا هربَ منهُ صاحبه،
ويا شبحًا يتعثّر في ليلٍ
لا يعترف إلّا بصوتِ الحديد
إذا احتدمَ النهارْ.

خرجتَ من نفسِكَ
كما يخرج الماء الفاسد من جرّةٍ مثقوبة.
فلا الأرض احتملت رائحتك،
ولا السماء رأت فيك شيئًا
يستحق أن تحفظه من آثارْ.

مضيتَ…
لا كمن يمشي إلى قدرٍ،
بل كمن يهرب من ظله،
ويلاحق خوفًا أكبر من حياته،
وأشدّ ضيقًا من شقّ صخرةٍ
انحنى من طول الانكسارْ.

كنتَ تظنُّ الريح تستطيع محو رائحة الجُبن،
وتعيد رسم وجهٍ ضاع منك
قبل أن تتعلم كيف تقف
في أول امتحان يطلب من رجولة المرءِ
أن تكون… رجالًا،
لا هباءً يذروه تيه المسارْ.

يا خائنَ الدارْ،
يا من بعت الثرى في أول ليلةٍ
نادتك فيها ظلالُ الوعد الفارغ،
فانحنيت…
لا سجودًا، بل انكسارًا،
كمن يسمع صوته يتلاشى
قبل أن يخرج من فم الأخبارْ.

أي دارٍ تعود إليها اليوم؟
الدار التي خنتها؟ أم تلك الأبواب
التي أعطيتَها ظهرك حين طلبت منك
وقفةً واحدة، كنت تعرف أنك لن تقيم فيها
غير رعدة خوف وغصّة عارْ؟

مِتَّ…
لا موت الرجال، ولا موت الشرفاء،
ولا موت من حملوا نارهم في قبضاتهم
حين نادى الليل أولي البأس
أن ينهضوا للذود عن بابٍ
تتكسّر عليه الأقدارْ.

بل مِتَّ ككلبٍ ضل الطريق،
فداسته العاصفة دون أن تلتفت إلى أنينه،
ولا أنقذه صوت الرمال،
ولا عرف قبره يد النهارْ.

غبارٌ أنت، وغبارٌ ظللت،
وغبار سيمضي اسمك من بعدك
كأنك لم تُخلق أصلًا إلّا ليكون سقوطك
آخر ما يكتبه الليل قبل أن يُغلق دفتر العارْ.

يا خائنَ الدارْ…
انظر إلى وجهك في مرايا الوقت:
لا ظلّ، لا أثر، لا صوت، لا خطى،
سوى فمٍ خائف يحاول ابتلاع نفسه
خشية أن تفضحَه الفصول حين تُفتح صفحة النارْ.

وتبقى البلاد لأهل الوفاء،
لمن حملوا اسمها على جباههم
كما تُحمَل الشموس في العيون التي تعرف طريقها
ولو حاصَرها الليل من كل جهة ومن كل قرارْ.

أما أنت…
فتبقى رواية سقوط،
تتلوها الريح حين تفتّش عن عبرة لمن يأتي من بعدك،
ليكونوا أشد بصرًا
وأبعد عن خنجرٍ كان يشبهك في الوجه وفي الحفر وفي ضيق المدارْ.

هكذا تنتهي سيرتك…
لا صعودًا، ولا ذكرى، ولا حتى كُرها،
بل اختفاء يتيم، يترك خلفه
مجرد صدى يحاول الليل التخلص منه،
فلا يجد إلّا أن يرميه
في أول هاوية تهوي إليها
الأسماء التي خانت أصلها ومدارْ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.