رحلة العمر : _
.
على سنة الله ورسوله ولما يقرب من ستين عاماً أو يزيد . كما أنبأتنا نقوش الزمن الزاحفة على وجهيهما تاركة من خلفها أخاديد العطاء لأزواج مطهرة طهر النوايا . تنساب بين ثناياها قطرات المودة والرحمة التى سكنت قلبيهما طيلة اعوام القران . وعلى الصداق المسمى بينهما وباركته السماء وأقرت به نفوس طاهرة . تعاهدت على الوفاء والعطاء . تعاهدت على أن يكون كل منهما سكنا للآخر وقرة عين له . عدا بأيام الله التى عاشوها معا . وسيرا على نهج آياته الكريمات . أن خلق لنا من انفسنا أزواجا لنسكن إليها وجعل بيننا مودة ورحمة . والا تحمل صدورهما الا العرفان عسى ان يكون كل منهما للآخر ببالغه .
وعلى رجع ايام خوالى وسنين داهمة . داست بأقدام خشنة وبخطى رعناء ليست كلها رحيمة . صالت وجالت على وجهها البدر ذهابا وايابا . طولا وعرضا لترسم اليوم عليه منحنيات رحلة شاقة . تضرب لها الأكباد سنين عديدة . تاركة من خلفها بدرا تشققت تربته عطشا لأيام الشباب وحنينا لنضارة العمر .
هذه الزوجة التى ملأت يوما دنيا ساقيها ( حامل الكوب ) خصوبة وعطاءا . راح زوجها اليوم يسقيها بيده شربة هنيئة عسى الا تظمأ بعدها . عله يروى ظمأ قلب دأب على العطاء . وفؤاد كم انفطر على ملمات ألمت بها وبأسرتها …..
انقضى العمر . أنفقته أياما وشهورا وسنين لتشترى به سعادة بيتها وعمرانه . فكم اقتطعت من وقتها . من صحتها . من عافيتها . من راحتها . من طعامها . من شرابها . حتى ضعف القلب ووهن العظم واشتعل شيبا حريرها الذى كان . ولم تكن بدعاء ربها شقية . فغاب الوعى وشرد الذهن . فامتدت لها يده بالكوب . وقد لا تعرف من يسقيها ولكنه يعرف جيدا … من تشرب . انما يسقى النفس التى خلقنا الله منها . نفسا واحدة . وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا . بعد أن آنس منها رشدا فآتاها صداقها نحلة وعن طيب خاطر . وعلى فطرت الله التى فطر الناس عليها . فهو الذى خلقنا من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة …. ضعفت الأيدى فلم تعد قادرة على حمل الكوب . فامتدت يد الزوج حانية مقرة بعطاء لا يضاهيه عطاء . عطاء لا يرد عليه إلا رب السماء .
كم حملت هذه الزوجة وهنا على وهن ….. كم حملت كرها ووضعت كرها . كم أرضعت . كم واصلت ليلها بنهارها . كم سهرت تداوى مريضا أو تنتظر غائبا …. كم استيقظت مع اولى انفاس الصباح لتودع كل ابن حسب موعده . كم حنيت …. كم احتضنت ..
. عطاءات تلو الأخرى لا تراها الا عين زوجها الناظر إلى أعماق ماضيها . المسافر توا عبر ستين عاما مضت . مارا بكل وقفة وقفتها معه ظهرا وظهيرا . فما عساه أن يفعل إلا أن يرفع الماء ليبلغ فمها الذى طالما ترطب له ولأولاده بالدعوات الصالحات . وبذكر الله .
فبماذا يرد على ابن منحته إياه . رجلا يقف إلى جوار والده كتفا بكتف يباهى به العالم علما وخلقا …
بماذا يرد على ابنة منحتها إياه . رافدا من روافد الحنان يجرى فى جنبات بيته .
بماذا يرد على ركن ركين آوى إليه ليعصمه من طوفان الحياة ورعونتها …
فيا كل زوج : العرفان . العرفان فما جبل قلبها الا على العطاء …
ويا كل ابن أو ابنة : البر . البر فما جبل قلبها الا على حبكما ….
واعلموا إنها سنة الله التى قد خلت فى عباده … وحتما : فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا …. صدق الله العظيم ..
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
المزيد من المشاركات
المقال السابق


