في رحاب الكهف 5 “لا يأتي التحدي والعناد إلا بالظلام”
بقلم د. رحاب أبو العزم
ما زال لنا في الكهف أسرار ومواعظ وتأملات؛ فكتاب ربنا قانون ونظام للحياة بجميع ألوانها. قال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾…لم يمنع كفار مكة المكرمة أن يؤمنوا بالله تعالى، وأن يؤمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم، وما منعهم أن يؤمنوا بكتاب الله تعالى، وما منعهم أن يستغفروا الله راجين عفوه عما اقترفوه إلا ذلك التحدي والعناد الذي جهروا به للرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب والغضب والخسف الشديد الذي أتى للأقوام السابقة، ولم يكن هذا بالأمر المستحدث في زمانهم فقد فعلها السابقون عليهم؛ حيث طلبوا من أنبياهم استعجال العذاب فأخذهم الله الجبار أخذ عزيز مقتدر؛ لذا فمفهوم الآية يؤكد أن كفار مكة ومن هم على شاكلتهم في الظلم والجبروت لن يؤمنوا إلا بعد نزول العذاب الدنيوي بهم، وهذا ما تقتضيه سنة الله فيمن هم على طريقهم ونهجهم.
إسقاط مفهوم الآية على الواقع
وفي مطلع يوم جمعة جديدة نتأمل الحياة التي تسير وفقًا لما جاءت به سورة الكهف؛ بيد أننا لا نعيش وسط كفار مكة إنما نعيش شكلًا جديدًا من الظلم لم نعهده في زمن نزول القرآن الكريم بين المسلمين ولم نعهده بين المسلمين حتى وقت قريب؛ إننا نتحدث عن ذلك الظلم الذي تعدى أصحابه على حدود الله رافضين ثوابت الدين من الإيمان بالسنة النبوية الشريفة وصلاة وحجاب والزواج بصورته المشروعة ومن تحريم الخمر وشبيهاتها ومن تحريم الرشوة والربا، الظلم الذي رفض صاحبه الحق وعاث في الأرض فسادًا ليعلم المسلمين كل تافه حقير بحجة الترفيه، الظلم الذي قطع الأرحام بين الأشقاء وأبناء الأشقاء، وخرب ذات البين بين الزوجين، واغتصب حقوق الضعفاء، وأهلك أموال الغير بالباطل فأفسد البيوت المسلمة وفرق أفرادها وانهارت وحدة الأسرة المسلمة، الظلم الذي أسعد أصحابه بتزيين الشيطان لأعمالهم، وتعظم الظلمة ويشتد سوادها حينما يرتدي الظالم ثوب المظلوم ليوهم نفسه والآخرين أنه الضحية المظلومة لينضم إلى فئة المطففين الذين يكيلون الأمور بمكيالين فيصلون إلى أبشع صور الظلم.
ملاذ المظلومين
ويلجأ المظلوم الحقيقي إلى الله تعالى العدل القوي المتعال الحق فيؤكد لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه ليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب؛ على كل مظلوم أن يأخذ بالأسباب لاسترداد حقه والدعاء لله تعالى متوكلًا على الله تعالى متيقنًا بأنه عدل سبحانه يقتص من الظالم في الدنيا والآخرة، وهذا اليقين لا يأتي إلا بمعرفة الله حق المعرفة؛ معرفة أسمائه الحسنى وصفاته والتفقه في جلالها وكمالها، والتأمل في حكمته لوقوع الظلم، ولطفه في جبر القلوب، وقوته في رفع الظلم، وعدله في القصاص. وتستمر الإمدادات الربانية بمثابة الهواء الذي يمد للمظلوم الهواء النقي ليستعيد حياته فيعيش موقنًا أنه إن لم يعفُ وإن لم يحصل على حقه في الدنيا فسوف يحصل عليه كاملًا يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.

